وأنّ هذا الذنب - مع عظمه بعضها وواحدٌ منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو "البعض" في هذا الكلام ما في قول لبيدٍ:
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
أراد: نفسه، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفساً أي: نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو يرتبط بعض النفوس حمامها)، أوله:
تراك أمكنة إذا لم أرضها
وقبله:
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك: ترتفع على الإتباع لـ "وصال" و"جذام"، أو يرتبط: مجزوم عطف على "أرضها" أي: الم تدر المحبوبة أني وصال عقد من يحاول مودتي، وقطاع لمن يقطع محبتي، وأني جوال الفيافي قطاع المهامه، وأني تراك أماكن إذا لم أرضها، أو: ألم يقدر أني أموت فيها؟ يعني: أنه مجتهد في الرحلة إذا لم تعق العوائق، والظاهر أن "أو" بمعنى "بل"، وقد جاء في "الصحاح": {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] أي: بل يزيدون، وقال الزوزني: المعنى: إني لا أترك الأماكن اجتويها وأقليها، إلى أن أموت.
قوله: (فكذلك إذا صرح بالبعض) يعني: كما وضع التنكير للتعليل الذي فيه معنى البعضية، وقد يُراد به في مثل قوله تعالى حكاية عن السحرة: {إِنَّ لَنَا لأَجْراً} [الأعراف: 113]