(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) 142]
(أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) يعني ولما تجاهدوا؛ لأنّ العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة؛ لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل: ما علم اللَّه في فلان خيراً، يريد: ما فيه خير حتى يعلمه. و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيها ضربا من التوقع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدني أن يفعل كذا، ولما، تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه)، وهو نوع من الكناية، أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم مجاهدة قط، ودخل فيه من جاهد بسيفه ويده ولسانه، وبيان الكناية أن كل معلوم يقتضي علماً من الله تعالى البتة، فإذا نفى العلم ينتفي المعلوم لا محالة، قال القاضي: والقصد في أمثاله ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه، بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان.
الانتصاف: التعبير عن نفي العلم خاص بعلم الله، إذ يلزم من عدم تعلقه بوجود شيء إعدام ذلك الشيء، ولا كذلك علم المخلوقين، فلا يعبر عنه بذلك لعدم اللزوم، فظهر من كلام الزمخشري جواز ذلك مطلقاً؛ لأنه قال في قول فرعون: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38]: عبر عن نفي المعلوم بنفي العلم؛ لأنه من عناده أراد أن علمه لا يعزب عنه شيء، وفيه نظر.
قوله: (و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيه ضرباً من التوقع)، قال الزجاج: فإذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه: لما يفعل، وإذا قيل: فعل فلان، فجوابه: لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل،