دينه، وإن غلبوه كفونا أمره. فلما فتح الله عليه استمر بعضهم في ضلاله، فجمعوا له، وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن النصر لله ورسوله، لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله.

ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوة عدتهم، ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده، لا بقوتهم، ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظماً فقدر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر، ليدخلوا مكة كما دخلها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح متواضعاً متخشعاً، واقتضت حكمته أيضاً أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصوراً عليهم، بخلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم في الإسلام وسبباً لتقوية قلب من دخل فيه، كان في ذلك عظيم المصلحة. ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى رئيسهم أن يخرجوا معهم أموالهم ونساءهم، فكان ذلك سبباً لتصير غنيمة للمسلمين.

ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم الغنائم في المؤلفة، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف رد من سبي من نسائهم وذراريهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب، من هوازن وثقيف بما دفع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها، وأما الأنصار فبالاعتذار لهم، وتوضيح الحكمة لكبرائهم شرح الله صدورهم، ورجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم ومجاورته لهم حياً وميتاً، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى ملخصاً.

-[ما يؤخذ من الأحاديث: ]-

1 - ويؤخذ من الحديث الأول مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألفهم إذا كان فيه مصلحة.

2 - وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة.

3 - واستحباب اتقاء الاتهام بالبخل، وإن كان ظاهر الكرم.

4 - تنبيه الكبير إلى ما يعتقد أنه خير.

5 - توضيح المعلم للمتعلم حكمة التصرف، وإن كان في ذلك كشف لبعض الأستار.

6 - ومن الحديث الثاني احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، والتجاوز عن جفاء الجفاة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015