فهذا الفريق يرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن كان من الخمس، ودليله تطبيق أصول الشريعة، وإجراء ما حصل على قواعدها، وتأويل أو توجيه ما يوهم غير ذلك مما ورد في أحاديثها.
والجمهور على أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم هوازن خاصة كان من أصل الغنيمة، لأن النصوص الثابتة في الأحاديث ظاهرة في هذا ومن الصعب تأويلها، وفي حملها على غير ظاهرها تمحل وتعسف.
أولاً: لأن الأنصار يعلمون أن الخمس لله ورسوله، فلو أن الإعطاء كان من الخمس لما اعترضوا، ولما غضبوا هذه الغضبة التي وافقهم عليها رؤساؤهم.
ثانياً: جمع الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وخطابته فيهم، والاعتذار إليهم بما اعتذر، ولو أن الإعطاء كان من الخمس لذكرهم بحقه، ولم يكن هناك حاجة إلى الترضية والاعتذار.
ثالثاً: قول الأنصار في الرواية الثامنة: "إن هذا لهو العجب. إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم". وقولهم في الرواية التاسعة: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى لها، وتعطي الغنائم غيرنا". واضح وصريح في أنهم يعتبرون ما أعطى للمؤلفة غنائم لهم، وليس الخمس الذي هو من حق الرسول صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: أصرح من هذا ما جاء في الرواية التاسعة من قول أنس: "فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً".
خامساً: لو أن الأنصار أخذوا من الغنيمة شيئاً لرجعوا بالشاة والبعير وما قيل لهم: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون".
أمام هذه النصوص ذهب الجمهور إلى أن الإعطاء من الغنيمة خاص بهذه الواقعة لأحد أمرين: إما مراعاة لمصلحة أهم، وإما لسبب خاص في هذه الغنيمة، عن الأمر الثاني يقول الحافظ ابن حجر: وقيل: إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه صلى الله عليه وسلم. اهـ.
والمحقق في سير المعركة يرى أن أساس النصر فيها كان ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الكثرة لم تغن شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوا مدبرين، فأساس النصر ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 26] فكانت الغنائم حقاً لله ورسوله، وإذا كان لم يستخدم هذا الحق في الانتصارات السابقة التي تدخلت فيها الملائكة فلا يلزم ألا يستخدمه هنا لمصلحة أهم.
وعن الأمر الثاني يطنب ابن القيم، فيقول: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سبباً لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في