وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْجُزْءِ. وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» ، وَلِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا سَمَّاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دِيَةً حَيْثُ قَالَ " دُوهُ " وَقَالُوا: «أَنَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ» الْحَدِيثُ، إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ.

(وَتَجِبُ فِي سَنَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا يَكُونُ مَوْرُوثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَعَلَهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ "

ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ جَنِينِ الْأَمَةِ مُطْلَقًا بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى الْبَتَاتِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمُعَيَّنَ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا إنْ كَانَ ذَكَرًا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ حَيًّا إنْ كَانَ أُنْثَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْعَدَدِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الْمَرَامُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي مَالِهِ: لِأَنَّهُ بَدَلُ الْجُزْءِ) أَقُولُ: فِي تَعْلِيلِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ بَدَلَ الْجُزْءِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ فِي مَالِ الْجَانِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْبَدَلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَمَامُ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ مَرَّ قُبَيْلَ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَا كُلُّ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَصَاعِدًا.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجِبَ بَدَلُ الْجُزْءِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ قَبِيلِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ رَدِّ الْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ تَأَمَّلْ تَقِفْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ وَلِهَذَا سَمَّاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دِيَةً حَيْثُ قَالَ " دُوهُ ") أَقُولُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دِيَةً بَحْثٌ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَمَّى كَثِيرًا مِنْ بَدَلِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ دِيَةً؛ أَلَّا يَرَى إلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ» وَهَكَذَا كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا " وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ " إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ الْغُرَّةُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ لَا وُجُوبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَصْلًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عَلَى الضَّارِبِ مُطْلَقًا انْتَهَى. أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَعْقِلُ خَمْسَمِائَةٍ فَصَاعِدًا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا اعْتِبَارَهُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الرِّوَايَاتِ فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا تَعْقِلُ خَمْسَمِائَةٍ فَصَاعِدًا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَعْقِلُهَا فِي كُلِّ مَادَّةٍ حَتَّى يَرِدَ النَّقْضُ بِالْوَاجِبِ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا بَلَغَ خَمْسَمِائَةٍ حَيْثُ يَكُونُ عَلَى الضَّارِبِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ مَا دُونَ خَمْسِمِائَةٍ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً، وَأَنْتُمْ قَيَّدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ إذَا كَانَتْ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015