قال الشارح: اعلم أن المضاف قد حُذف كثيرًا من الكلام، وهو سائغُ في سعةِ الكلام، وحالِ الاختيار، إذا لم يُشكِل. وإنّما سوّغ ذلك الثقَةُ بعلم المخاطَب، إذ الغرضُ من اللفظ الدلالةُ على المعنى، فإذا حصل المعنى بقرينةِ حالٍ، أوَ لفظٍ آخرَ، استُغنى عن اللفظ الموضوع بإزائه اختصارًا. وإذا حُذف المضاف، أقيم المضافُ إليه مُقامَه، وأعرب بإعرابه، والشَاهد المشهور في ذلك قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَة} (?). والمراد: أَهْلَ القريةِ؛ لأنه قد عُلم أن القرية من حيثُ هي مَدَرٌ وحَجَر، لا تُسأَل؛ لأن الغرض من السؤال رَدُّ الجواب، وليس الحجرُ والمدرُ مما يُجِيب واحدٌ منهما.

وقوله: و"العَلَمُ فيه" يريد أنّ الآية قد اشتهر أمرُها بذلك، حتى صارت عَلَما على جوازِ حذفِ المضاف، إذ الأمرُ واضح فيها من جهة المعنى. ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} (?)، وقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} (?). تقديره: برُّ مَن، وإن شئت؛ كان تقديرُه: ولكن ذا البر من اتقى، فلا بد من حذفِ المضاف؛ لأن البر حَدَثٌ، و"من اتقى" جُثَّةٌ، فلا يصح أن يكون خبرًا عنه؛ لأنّ الخبر إذا كان مفردًا، كان هو الأول، أو منزَّلًا منزلته؛ فلذلك حُمل على حذفِ المضاف. والأول أشبهُ, لأن حذفَ المضاف ضربٌ من الاتساع، والخبرُ أَوْلى بالاتساع من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أَوْلى منه بالصُّدور، ومن ذلك قولهم: "الليلةُ الهِلال"، لا بد من حذفِ المضاف، رفعتَ "الليلة" أو نصبتَها، فإن رفعتَ، كان التقديرُ: الليلةُ ليلةُ الهلال، وإن نصبتَ، كان التقديرُ: الليلةَ حُدوثُ الهلال، أو طلوعُه، ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط]:

393 - المالُ يُزْرِي بأقوامٍ ذَوِي حَسَبٍ ... وقد يُسَوَّدُ غير السَيدِ المالُ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015