فالإِنسَان قد يشاء الأمر ويهيئ كل أسبابه وفي آخر لحظة تذهب تلك المشيئة وتلك الأسباب؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يشأ؛ ويقول تَبَارَكَ وَتَعَالَى كما في سورة الإِنسَان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:30] وهذه مثل التي قبلها، فبعد أن بين في أول السورة: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:3] لئلا يقَالَ: أنا اخترت طريق الخير بنفسي، مستقلاً عن إرادة ربي ومشيئته، أو اخترت طريق الشر، مستقلاً عن مشيئة الله وإرادته، لذا قال في آخر السورة وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ففي أول الآية إثبات لمسئولية الإِنسَان وحريته في الاختيار، وآخرها فيه إثبات لمشيئة الله الشاملة العامة المطلقة التي لا يحدها ولا يقيدها شيء وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39] هنا أيضاً هذه الآية والتي بعدها: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] .

هاتان الآيتان تدلان عَلَى أن الهداية والإضلال من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء عَزَّ وَجَلَّ لكننا نجد في سورة النحل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36] وقوله: فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:30] .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015