فالضلالة منسوبة إِلَى الإِنسَان، وحقت عليه، فلم يقل: فمنهم من هدى ومنهم من أضل، ولا تعارض بين الآيات. بل في ذلك حكمة، لاسيما وأن آية النحل قد جاءت بعد أن ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى احتجاج الْمُشْرِكِينَ بالقدر عَلَى نفي الشرع، لأنهم يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:35] يحتجون بمشيئة الله، كأنهم يقولون: إن الله هو الذي شاء أن نضل، فلن نهتدي.

ولو كَانَ المقصود: أن الله شاء أن نضل، بمعنى أنه كتب الضلالة عَلَى من ضل، وهو أيضاً أمرنا وشرع لنا أن نهتدي؛ لأن مجرد إثبات أن الإضلال لا يقع إلا من الله، فليس في ذلك من بأس؛ لأن الله نسب ذلك إِلَى نفسه كما في هاتين الآيتين، لكنهم يريدون أن يجعلوا المشيئة بمعنى المحبة والرضى، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه.

إذاً: الهداية من الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فليس كما تزعمون أن الأمر جبر لا اختيار فيه ولا مشيئة لكم فالضلال جَاءَ استحقاقاً وعدلاً، والهداية جاءت توفيقاً وفضلاً من الله تعالى. كما قال تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29] لكن مشيئة الضلال والإضلال لا تعني أنه عَزَّ وَجَلَّ يحبه ويرضاه أو أنه شرعه وأمر به.

ولذلك عقب المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَلَى ذلك بقوله: [ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضى فسوى بينهما الجبرية والقدرية أولاً ثُمَّ اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015