والمصنف هنا لما عطف عليها المشيئة قصده أن معنى الإرادة هي الكونية أي: أن الله تَعَالَى يريد الكفر كوناً ويشاؤه، ولذلك قَالَ: [ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً ولا يرضاه دينا] فكل ما يكون في الكون كله من خير أو شر، من محبوب أو مبغوض، فهو كله بمشيئة الله وإرادته، فأما ماكان من مشيئة الله فلا بد أن يتحقق، فما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن؛ لكن ما أمر الله به وشرعه فقد يكون وقد لا يكون؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل حكمته في أن الابتلاء يكون في جانب الشرع هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36] فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:30] .

فالابتلاء في مسألة الأمر الشرعي الطلبي الذي أحبه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ورضيه، وهذا يتحقق من قوم ولا يتحقق من آخرين؛ لكن كل ما يفعله هَؤُلاءِ النَّاس مما وافق شرع الله أو خالفه؛ فهو موافق للإرادة الكونية وللمشيئة العامة الشاملة. هذا هو موجز كلام أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة.

وقد ذكرنا أن القدرية أول ما نشأت عَلَى يد معبد وغيلان ولم يكونا معتزليين، لكن لما جَاءَ زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد ورث القدر عن معبد ونشره، وأصبح إذا قيل: القدرية تطلق على المعتزلة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015