وقد دخلت الروافض في مذهب الاعتزال في الصفات والقدر، واعتنقوه ابتداءً من القرن الرابع فما بعده، وأخذت الرافضة دين المعتزلة في جوانب الاعتقاد، وبقيت لها المسألة التي اختصت بها وهي الإمامة، وما أشبه ذلك، فأصبحت عقيدة المعتزلة الآن في القدر موجودة عند الروافض. فلما قال المصنف: "القدرية والمعتزلة " كأنه يشير إِلَى الترتيب التأريخي؛ لأن القدرية ظهرت أول الأمر في زمن الصحابة، ثُمَّ ظهرت المعتزلة وورثوا ذلك، ثُمَّ بعد ذلك ورث المعتزلة الرافضة.
شبهة القدرية وردها.
قول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ-: [وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر] . أي: أن المشيئتين تعارضتا، ويلزمهم أن مشيئة العبد غلبت مشيئة الله -والعياذ بالله- وَقَالُوا: لأن الله تَعَالَى لم يشأ الكفر، لكن العبد فعل ما لم يشأه ربه، فوقع في الكفر هذا موجز الشبهة. [فروا إِلَى هذا؛ لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر، وعذبه عليه] ، هذا أصل الشبهة، وأصل السؤال أنه قيل: آلله شاء الكفر من الكفار، وشاء المعصية من العاصي؟ قيل لهم: نعم قالوا: كيف يشاؤه ثُمَّ يعذبهم عليه، أليس هذا ظلماً؟! وهذا هو السؤال الذي سأله عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي؛ لكن هَؤُلاءِ القوم لم يأخذوا الجواب من الصحابة، وإنما أخذوه -كما أسلفنا- من فلاسفة اليهود والنَّصَارَىوالصابئين فَقَالُوا: إذاً لا مخرج من هذا إلا أن نقول: أن الله يتنزه عن الظلم، ولهذا نقول: إن الله لم يشأ الكفر ولم يشأ المعاصي، وإنما وقعت بمحض مشيئة العبد. ولما قال غيلان ذلك في زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- جَاءَ به. وسأله عن العلم، قال: يا غيلان: أتؤمن أن الله عَلِمَ وكَتَب أفعال العباد خيرها وشرها؟ قَالَ: نعم، فقَالَ: أنت محجوج ولو جحدت لكفرت.