بل الأمر كله لله، ولكنه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كتب عَلَى نفسه الرحمة، وقد سبقت رحمته غضَبه، وهو حرم الظلم عَلَى نفسه. وجعله بيننا محرما، وهو لا يعامل العباد إلا بأمرين: إما بالفضل، وإما بالعدل، ولا يظلم ربك أحداً؛ فليس هنالك حكم ولا أمر من أوامر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- القدرية يخرج عن العدل بأي حال من الأحوال. فأصل القدر هذا الذي هو سر الله في خلقه، والذي لا يسأل عنه ولا يخاض فيه، ولا يتعمق فيه؛ وهو كونه تَعَالَى أوجد وأفنى.

لماذا أوجد؟ ولماذا أفنى؟ كل هذا لا يجوز أن يخاصم فيه بأية حال من الأحوال؛ لأن العقول تتقاصر عن معرفة ذلك، وهذا هو الذي أمرنا فيه أن نسلم لرَبِّ الْعَالَمِينَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فهو الذي خلق هذا الخلق، وهو الذي أعطى ومنع، وهو الذي أمات وأحيا، وهو الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أغنى وأقنى، وهو الذي أضل وهدى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

معنى مقولة علي " القدر سر الله ... "

[قال علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: " القدر سر الله فلا نكشفه "] هذا القول لعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يتناقل في بعض كتب الأدب وكتب التراجم، وأنا إِلَى الآن لم أعثر عليه مسنداً متصلاً بسند صحيح، ولكن إن كَانَ المقصود بالعبارة هو أن أصل القدر سر فلا نسأل عنه ولا نبحث عنه، فهذا يتفق مع ما ذكرنا ولا إشكال في ذلك.

وأما إن كَانَ المراد من ذكر ذلك أن أمير المؤمنينعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يعرف ويعلم سر القدر، ولكنه -كما ذكر بعض الروافض- أنه سُئل عن القدر فقَالَ: ذلك سر الله، فلا نكشفه أي: أنا أعرفه ولأنه سر الله فأنا لا أكشفه، فهذا يتناقض مع ما قرره الشيخ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حيث يقول: [لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل] .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015