وكذلك في مسألة القدر نبحث -مثلاً- في مراتب القدر، وهل للعبد مشيئة أم لا؟ وما حدود هذه المشيئة؟ ونبحث عن المعاصي، ونقول: هل المعاصي داخلة في المشيئة، في خلق الله أم غير مخلوقة لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وما أشبه ذلك من الموضوعات عَلَى ما فيها من دقة، وعلى ما فيها من أمور وعلى أنه ليس كل أحد يستطيع أن يجيب فيها، لكن هناك من يعلمها، وقد علمها السلف وعلموها أصحابهم وتلاميذهم، ومازال العلم يتناقل فيها إِلَى اليوم.
أما الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل والذي لا يخاض فيه فهو أصل القدر، وهو أن يقَالَ: لماذا خلق الله تَعَالَى فلاناً؟ ولماذا قدر هداية فلان ومعصية فلان وكفر فلان؟ كما إذا قيل: لماذا جعل الله تَعَالَى الإِنسَان مكلفاً، وجعل الملائكة خيراً محضاً، وجعل الشياطين شراً محضاً؟ وهذا السؤال يكون كفراً إذا كَانَ عَلَى جهة الاعتراض والرد.
أما لو سأل وهو جاهل، أو سأل وهو يظن أن في ذلك حكمة تخفى عليه ويعلمها غيره فمثل هذا يوجه إِلَى الصواب في هذه المسألة، لكن من سأل عَلَى سبيل الاعتراض - وهذا هو الحاصل - ليردوا ما ثبت من القدر. فيقولون: لماذا أضل الشيطان وهدى آدم؟ على سبيل القول بأن ذلك -عياذاً بالله- من الظلم ومن التحكم، ومما لا نعلم له حكمة، هَؤُلاءِ الذين يسألون هذا السؤال هم المعترضون عَلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وهَؤُلاءِ كفار، كما ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
يقول: [فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كَانَ من الكافرين] أي من سأل سؤال المعترض المحاجج المخاصم لربه، ولهذا فإنالسلف الصالح -رضوان الله تَعَالَى عليهم- سموا القدرية خصوم ربهم، ومن أنت حتى تعترض عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ! وما لك من الأمر حتى تحاجه، وتقول له: لم فعلت؟! ليس لأحد من الأمر شيء.