ومعنى ذلك: أن الذين ينهون عن الخوض في القدر مطلقاً؛ لأن البحث يبعث الشك والريب، هذا خطأ منهم؛ لأن الصحابة -رضوان الله تعالى- عليهم سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أدق الأمور في القدر، أي: في القدر الذي يستطيع العقل أن يجول وينظر فيه كما سألوه في حديث عَلِيّ وجابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وغيرهما عندما قالوا له: يا رَسُول الله! هذه الأعمال التي نعملها أهي فيما نستقبل من أمرنا، أم فيما جفت به الأقلام، وجرت فيه المقادير؟ .
وحديثسراقة وغيره.
وكذلك حديثعمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- لما أن سأل أبا الأسود الدؤلي عن مسألة القدر فقَالَ: أفلا يكون ذلك ظلماً، فقال: أبو الأسود ففزعت لذلك فزعاً شديداً، وقلت: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فَقَالَ له عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-: "إنما سألتك لأحزر عقلك" لأرى هل عندك عقل، هل أنت قوي الحجة؟.
إذاً: الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسائل من القدر، ولم تزل الأمة تتسائل، والعلماء تجيب بأمور من القدر، فليس صحيحاً أن مبحث القدر لا يخاض فيه مطلقاً ومثل ذلك ما يقوله بعض النَّاس في مسائل الصفات يقولون: لا نبحث في مسائل الصفات مطلقاً، وإذا سألته أو حاولت أن تستفصل منه قال لك: نؤمن ونسلم، ولا نبحث في شيء.
نعم لا بد أن نسلم وأن نؤمن هذا حق، لكن هذا المذهب إن لم يكن هو مذهب التفويض فإنه يفضي إليه، والمفوضة هم: الذين يؤمنون بأن هذه العبارات وهذا الكلام أنزله الله؛ لكن لا يبحثون عن معناه، ولا يعتقدونه، ولا يؤمنون به، وهذا المذهب من شر المذاهب، وهذه البدعة حاربها السلف رضوان الله تَعَالَى عليهم وقاوموها. ففي مبحث الصفات لا نبحث عن الكيفية، ولكن نبحث عن معنى الصفة وثبوتها، ودلالتها إذا كَانَ لها دلالة أو آثار، لكن لا نبحث عن الكيفية؛ لأننا نهينا عن ذلك.