فالله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يقطع هاتين العلتين كما قال تَعَالَى أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] أي: أشهدناكم وأقررناكم عَلَى ذلك لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فهذا يقطع العلة الأولى وهي علة الجهل.
والكلام الآن في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية خاصةً -تفصيلاته- لا يمكن أن تعلم إلا من طريق الرَّسُول، أي: كيف نعبد ربنا عَزَّ وَجَلَّ، وما هي أنواع العبادة، ولكن الإقرار بأن الله عَزَّ وَجَلَّ ربنا وخالقنا ورازقنا وأنه الذي يستحق العبادة وحده هذا مركوز في الفطر، ويعلمه كل بنى آدم علماً ضرورياً بالبداهة من غير تفكير ولا نظر.
فالعلة الأولى التي يعتذر بها المُشْرِكُونَ وأعداء الله تَعَالَى والجاحدون هي: أنهم لا يعرفون ربهم، أو قد يقَالَ: إننا لا نعرف ربنا قتقطعها هذه الجملةأَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] فلا عذر لكم بالجهل فقد عُرِّفتم وعلمتم ربكم عَزَّ وَجَلَّ.
والعلة الأخرى: أن يقَالَ: إننا عرفنا ربنا ولم ننكر ولم نجحد، ولكننا وجدنا آبائنا عَلَى أمة، وإنا عَلَى آثارهم مقتدون، واتبعنا ما ألفينا عليه آباءنا، وأطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، إِلَى آخر ما يقوله أُولَئِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، هذا يقطعه ما أَنْ تَقُولُوا أي: لكي لا تقولوا أيضاً: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:173] أي: نَحْنُ لم نؤمن بالشرك، وإنما أشرك آباؤنا فتبعناهم وكنا ذرية من بعدهم.