ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله تَعَالَى في رجلين تداعيا في طفل أحدهما كافر والآخر مسلم، وكان الكافر لديه من الحجج والبينات أقوى مما عند المسلم، فَقَالَ بعضهم: يحكم القاضي بالحق؛ لأن الأصل في ديننا هو الحق والعدل ونحكم بالحق فنعطيه للكافر، لأن دلائله أقوى من المسلم. وقال آخرون: إننا لا نعطي الكافر؛ بل نغلب جانب الإسلام وجانب مصلحة الطفل وليس مصلحة الأب، لأن هذا الطفل إذا حكمنا بأنه تابع للمسلم فإنه يكون مسلماً، فينجوا من عذاب الله بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ، لكن لو حكمنا للأب فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، فلا نضمن أنه يسلم، فقد يموت عَلَى الشرك.
فالمقصود: أن الإسلام يغلب حتى في الأحكام الظاهرة؛ بل قال بعض الفقهاء: لو أن سفينة أو طائرة في هذا العصر سقطت فتحطمت أو غرقت وفيها مائة أو مائتان من الركاب، ونحن نعلم أن فيها واحداً من الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يصلى عَلَى كل واحد من هَؤُلاءِ، من أجل هذا المسلم الذي بينهم، فالصلاة عَلَى الكافر لا تقع لكن من أجل هذا المؤمن نصلي.
تعرض المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ- هنا بعد أن انتهى من الأقوال في حقيقة الميثاق إِلَى مسألة مهمة وهي مسألة توحيد الربوبية، وهل الربوبية أمر فطري أم غير فطري؟ وما رسمه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في العقول والفطر من معرفته عَزَّ وَجَلَّ والإقرار بربوبيته، وتعرض لمسألة التقليد ومسألة الجهل، في عدم معرفة الله - عَزَّ وَجَلَّ - بناءً عَلَى أحد هاتين العلتين:
العلة الأولى: الجهل وعدم المعرفة بالله.
العلة الأخرى: التقليد والمتابعة من غير علم ولا بصيرة.