بالضرورة يكثر بمشيئة -صلى الله عليه وسلم- بين المنبر والبيت، فالحرمة التي أعطي غيرهما إذا كان من مسّه واحدة بمباشرته, أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده -صلى الله عليه وسلم- في البقعة الواحدة مرارًا في اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنَّها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهي الآن منها. وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرناه في جنسها.
فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يطؤها بقدمه مرارًا.
فالجواب: إنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أنَّ ترابها شفاء كما أخبر -صلى الله عليه وسلم، مع ما شاركت فيه البقعة المكرَّمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام, وأنه -صلى الله عليه وسلم- أوّل ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأنَّ ما كان بها من الوباء والحمَّى رُفِعَ عنها، وأنَّه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة،