عن ابن حنبل هذا المذهب مطلقًا. وقال ابن وهب في المجموعة إذا خرج أحد عن الصف بطلت صلاته ودليلنا أن أبا بكرة رضي الله عنه جاء والشعبي - صلى الله عليه وسلم - راكع فركع دون الصف ومشى إلى الصف وهو راكع. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ومشى إلى الصف وهو راكع. فقال أبو بكرة أنا. فقال: زادك الله حرصًا ولا تعد. ولم يأمره بالإعادة" (?). فإن قيل قوله لا تعد نهي، وركوب ما نهي عنه يبطل الصلاة. قيل: إنما نهاه عن السعي والإسراع وهو المراد بقوله. ولا تعد. مع أن تركه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالإعادة يبطل قولهم بوجوب الإعادة. وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس واليتيم والعجوز من ورائهم (?) وحدها ولم تبطل صلاتها. ولأن مخالفة الموقف المختار لا يفسد الصلاة كما قدمناه. ويحتج المخالف بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فأبصر رجلًا صلى خلف الصفوف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا صلاة لمنفرد خلف الصف (?). والجواب عن هذا أن أمره بالإعادة إن ثبت حملناه على الاستحباب. وأشار بعض أصحابنا إلى أنه لا يثبت. وقوله لا صلاة يحمل على نفي الكمال، مع تسليم صحته أيضًا.
وإن كان المنفرد يخشى ذوات الركعة إن منع من الركوع دون الصف، فهل يباح له الركوع دون الصف أم لا؟ فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يكون قريبًا والثاني أن يكون بعيدًا. فإن كان قريبًا جاز له ذلك. وروى أشهب عن مالك لا يحرم الداخل حتى يصل إلى الصف. وإطلاق هذه الرواية يقتضي المساواة بين القرب والبعد. واختلف في حد القرب فقيل: قدر ذلك صفان فيباح على هذا أن يمشي فرجتين. وقيل ثلاثة صفوف. وقال إسماعيل يعتبر في ذلك أن يكون بحيث يدرك أن يسجد مع الإِمام في تلك الركعة في الصف. وإذا كان من القرب بحيث يباح له الركوع فإنه يدب ليصل إلى الصف. ومتى يدب؟ عن مالك روايتان: