شرح التلقين (صفحة 601)

وأشار بعض العلماء إلى التخيير في محله. وقد قال مالك رضي الله عنه: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد. وكان ذلك عندهم سهلًا. ومدار هذه المذاهب على اختلاف الطرق في بناء الأحاديث المختلفة الظواهر الواردة في السهو. فقد خرج الصحيحان في حديث ابن بجينة لما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين أنه سجد قبل السلام. وخرجا في حديث ذي اليدين لما سلم من اثنتين أنه صلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين. وخرجا في حديث ابن مسعود أنه عليه السلام لما صلى الظهر خمسًا سجد سجدتين بعد السلام. فهذه أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختلفت كما ترى. وقد اختلفت ظواهر أقواله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشك وسنوردها عليك إن شاء الله فيما بعد. فأما داود فلما كان من نفاة القياس أخذ بكل حديث على ما وقع فيه وأنكر ما خرج عنه ولم يستعمل البناء في الأحاديث لجواز ورود التعبد بحسب ما وردت فيه من الاختلاف. وأما ابن حنبل. فلم يستعمل البناء فيها لأجل ما اعتللنا به لداود ولكنه استعمل القياس فيما سواها.

وتمسك فيه بالمعنى. وصار إلى كونه قبل السلام لما سنورده عليك في احتجاج القائلين بأن السجود كله قبل السلام. وأما من أشار إلى التخيير فإنه قد تعذر البناء عليه ولم يجد سبيلًا إلى طرح جميع الأحاديث فاستعملها على جهة التخيير. وأما من قال: السجود كله قبل السلام فإنه يتأول ما ورد من الأحاديث بأنه بعد السلام على ثلاثة أوجه: أحدها أن يقدر أن المراد بالسلام، السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -: السلام (?) المذكور عند التشهد. أو يحمل ما وقع من سجوده عليه السلام بعد السلام على أنه نسي أن يوقعه قبل السلام فأوقعه بعده. أو يحمله على أنه كان ثم نسخ. ويعضده بقول ابن شهاب كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. وهذا إشارة إلى أنه كان بعد ثم نسخ. وأما من قال السجود كله بعد السلام فإنه يتأول ما وقع من الأحاديث بأنه قبل السلام على أحد وجهين. إما أن يريد أن السجود قبل التسليمة الثانية وإما أن يريد السجود قبل التسليم منه. وأشار بعضهم إلى تأويل ثالث وهو أن المراد بالسجدتين السجدتان اللتان من نفس

طور بواسطة نورين ميديا © 2015