بعد. وإنما هو تقرير (?) لصحة الناسخ. والناسخ شيء غير المقرر (?) لصحته.
ومن النّاس من ذهب إلى أنها ليست بمنسوخة كما قلناه ولا ناسخة كما قال هؤلاء ولكنها محكمة مخصوصة. واختلف هؤلاء في تعيين ما خصت به. فقال بعضهم محملها على الدعاء أي ادعوا إلى أي جهة شئتم. وقال آخرون بل محملها على صلاة المسافر للنافلة على راحلته. وقال آخرون محملها على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي حين صلى عليه واستقبل جهته فهي (?) من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال آخرون (?) محملها على من خفيت عليه القبلة.
والنظر في الصحيح من هذه الأقوال والفاسد، يفتقر إلى خوض بحر من الأصول. وذلك أن النسخ إنما يكون عند المحققين إذا وقع بين الآيتين تعارض حتى لا يمكن رد بعضها إلى بعض. فإذا كانت الآيتان أو إحداهما من قبيل الظواهر أمكن صرف الظاهر عن المعنى الذي هو ظاهر (?) فيه بطريق التأويل. فأما من قال محملها على الدعاء فإنه يعتمد على أن الآية لم يذكر فيها المعنى الذي نولي وجوهنا لأجله، وإنما قال تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا}.
فيحتمل أن يكون للصلاة أو للدعاء. فإذا احتمل الأمرين وكان قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ} معلوم أنه مراد به أن يولي وجهه للصلاة. وكان الدعاء معلوم جوازه إلى كل الجهات وجب البناء. فحمل إحدى الآيتين على الصلاة والأخرى على الدعاء. وأما من يقول محملها على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي، ومن يقول محملها على من خفيت عليه القبلة، فإنه يرى نزولها على هذا السبب يقتضي قصرها عليه. وبين أهل الأصول اختلاف في العموم إذا خرج على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى سببه، فإن قلنا بقصره على سببه وصح نزولها على السبب الذي زعموه صح ما ذهبوا إليه. وأما من يقول محملها على صلاة النافلة في السفر على الراحلة فإنه يرى أن المراد بقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي للصلاة.