أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، فلما أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها العذاب العامّ عن أهل الأرض, وأمر بجهاد من كذّبهم وخالفهم، فكان ذلك نُصرة لهم بأيديهم، وشفاءً لصدورهم، واتخاذ الشهداء منهم، وإهلاك عدوّهم بأيديهم، لتحصيل محابّه سبحانه على أيديهم.

وحُقَّ لأهل بيت هذا بعضُ فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبةً بالصلاة عليهم والسلام، والثناء والتعظيم، والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم، وأن يعرفا المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلَّهَا في الصلاة عليهم ما وفّى القليلَ من حقهم.

فجزاهم الله عن بريّته أفضل الجزاء، وزادهم في الملإ الأعلى تعظيماً وتشريفاً وتكريماً، وصلى الله عليهم صلاة دائمة، لا انقطاع لها، وسلّم تسليماً (?). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المسألة السابعة:

في بيان حكمة اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرّبّ سبحانه وتعالى، وهما قوله: "حميد مجيد":

فالحميد: فَعيل من الحمد، وهو بمعنى محمد، وأكثر ما يأتي فعيلٌ في أسمائه تعالى بمعنى فاعل، كسميع، وبصير، وعليم، وقدير، وعليّ، وحكيم، وحليم، وهو كثير، وكذلك فَعُول، كغفور، وشكور، وصبور.

وأما الودود، ففيه قولان:

(أحدهما): أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يُحِبّ أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين.

(والثاني): أنه بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي يستحق أن يُحَبَّ الحبَّ كُلَّهُ، وأن يكون أحبّ إلى العبد من سمعه وبصره ونفسه وجميع محبوباته.

وأما الحميد، فلم يأت إلا بمعنى المحمود، وهو أبلغ من المحمود، فإن فعيلاً إذا عُدِلَ به عن مفعول دلّ على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجيّة والغريزة والْخُلُق اللازم، كما إذا قلت: فلان ظريف وشريف وكريم، ولهذا يكون هذا البناء غالباً من فَعُلَ كشَرُفَ، وهذا البناء من أبنية الغرائز والسجايا اللازمة، كَكَبُرَ، وصَغُرَ، وحسُن،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015