إن هذه الأحاديث دليل على أن المستقبل للإسلام، وذلك لأن هذه النصوص كما أسلفت، نصوص عامة في الخصائص، ويعضدها أحاديث وآيات كثيرة، حيث يقول الله عز وجل في أكثر من موضع: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9] وهذا الإظهار لا نستطيع أن نقول: إنه محصور في وقت من الأوقات، أو إنه حدث وانتهى، لأن الأمة الموجودة اليوم على ظهر الأرض من المسلمين هي ممن يشمله قول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9] وكذلك قول الله عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور:55] .
فالمؤمن الموجود اليوم على ظهر الأرض يقرأ هذه الآية ويعلم أنه مخاطب بها، فإذا كان هو من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإن الله تعالى قد وعدهم بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكن لهم في الأرض كما مكن للذين من قبلهم، وأن يُبدلهم من بعد خوفهم أمناً حتى يعبدوه لا يشركون به شيئاً، وهذا الوعد قطعاً سيتحقق لأن وعد الله لا يتخلف.
وأريد أن أشير إلى معنى مهم جداً في نظري، وهو يعصم كثيراً من الناس من وجود نوع من الشك أو التردد، فقد يقول قائل: يا أخي المسلمون جاهدوا في فلسطين، وبلاد الشام، وفي الفلبين، وأفغانستان، وإرتيريا، وفي بلاد كثيرة، ومع ذلك ما حدث لهم هذا الوعد، فما هو السر؟ فأقول: إن السر قد بينه الله تعالى أكمل بيان في كتابه العزيز، واسمع لقول الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:39-40] فهذه هي الآيات التي شرع فيها الجهاد: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج:40] (فوعد) قاعدة وضعها الله رب العالمين لا يمكن أن يرتاب فيها مسلم مطلقاً، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] ثم قال -وهنا السر-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41] .
إذاً: حين تجد أن هناك حركة جهادية في الماضي، أو في الحاضر، أو في المستقبل جاهدت ومع ذلك لم تمكن ولم تنصر فارجع إلى هذه الآية، واعلم أن الله ينصر من إذا مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأنت ما يدريك بأن هؤلاء الذين يجاهدون باسم الإسلام في الماضي، أو في المستقبل، أو حتى في الحاضر؛ أنهم فعلاً لو مكنوا لفعلوا، فهذا أمر غيبي عند الله لا أحد يستطيع أن يجزم به، ومهما أحسنا الظن، ومهما رأينا من علامات الخير، تظل قضية كون الإنسان يستخق على النصر أمر عند الله، وربما لو انتصرت بعض الحركات الجهادية لتمزقنا، أو لتأخر وفاؤها بما جاهدت من أجله، أو لحدث مالا تحمد عقباه، فالأمر لله، وهو سبحانه وتعالى يعلم المستقبل.
ولذلك ينصر من يعلم أنهم إذا انتصروا جاهدوا، وصبروا، وأمروا، ونهوا، وصلوا، وأقاموا شرع الله عز وجل، فهذا هو السر: {} [الحج:40] ثم وصف هؤلاء بأنهم {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41] فلا تكن في مرية من هذا الأمر.