القطع في مسائل لا مجال للقطع فيها

الخطأ الثالث: أن بعض الناس قد يقطعون في مسائل لا مجال للقطع فيها، وفي اعتقادي أن المسائل التي تكون دلالة النصوص عليها ظنية، أو يكون ثبوت النص فيه نظر، وهي قضايا اختلف فيها سلف الأمة وأئمتها، من الصعب أن يصل فيها الإنسان إلى درجة القطع بقول من الأقوال، ولذلك كان الإمام الشافعي وهو من هو في الفقه رحمه الله يقول: " قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" إذاً الاحتمال قائم، ومسألة القطع فيما لا مجال فيه ليست من سيما أهل العلم، بل هي دليل على نقص العلم، لأن الإنسان عندما لا يكون لديه إلا دليل واحد، أو قول واحد، ولا يعرف إلا دليله، قد يخيل إليه أن هذا هو القول الصحيح بلا شك، وذلك لضعف علمه، وأحياناً عندما تأتي بإنسان خالي الذهن، تقول: هذه المسألة فيها أقوال، وأريد أن أعرض عليك الأقوال والأدلة وأنت رجح، لما تعرض عليه القول الأول في المسألة، وتأتي له بأدلة من القرآن والسنة وأقوال أهل العلم، وتقول: ما رأيك في هذا القول؟ يقول: والله هذا القول هو الصحيح الذي لا شك فيه، سبحان الله! كيف يوجد اختلاف وهنا هذه الأدلة، فتقول: تريث قليلاً، اسمع القول الثاني، ثم تذكر القول، ومن قال به، وأدلته، يبتسم ويقول لك: والله يا أخي! هذا القول أرجح، الحقيقة كنت متعجلاً لما رجحت القول الأول، لكن عندما تعرض له القول الثالث يمكن أن يرجحه أيضاً! إذاً القطع في مسألة سببه ضعف العلم، فإنسان ما اطلع إلا على قول واحد ودليله، يخيل إليه أن هذا القول هو الصحيح، ولذلك من فوائد بحث الفقه المقارن -كما يسمونه- تربية الطالب على سعة الأفق، ومعرفة الأقوال المتعددة، حتى لا يكون عنده تعجل في القطع في مسائل لا مجال للقطع فيها، فكون الطالب -كما هو الحال في الكليات الشرعية وغيرها- يتربى على معرفة الأقوال في المسألة وأدلتها، ثم الترجيح، هذا يربي لديه عدم التعجل في الترجيح واتساع قلبه وعقله لوجهة النظر المخالفة، وعدم التسرع والقطع في هذه المسائل التي لا مجال للقطع فيها.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015