المزاح المذموم

ما الضرب الثاني فهو: المزاح المذموم، أكثر مزاح الناس عبر العصور، يدخل في باب المزاح المذموم.

والمزاح المذموم أنواع: منها: ما كان فيه هزل بشيء من ذكر الله تعالى، أو القرآن والحديث، أو العلم والعلماء، أو الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك وهزل به، بل كفرهم، قال الله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66] .

ولهذا قال أهل العلم: من هزل بشيء فيه ذكر الله تعالى أو الرسول أو القرآن فهو كافر، ولا فرق في ذلك بين الخائف والجاد والهازل إلا المكره.

وقد جاء عند الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنه {أن قوماً كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقالوا يسخرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.

قال ابن عمر: فلقد رأيت أحدهم متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه قالوا: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فلا يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول لهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة:65-66] } .

فالمزاح والهزل بشيء فيه ذكر الله تعالى، أو الرسول أو القرآن أو العلم أو العلماء، هذا مما يجب أن يتقيه الإنسان.

وما أكثر ما يتساهل فيه، ولو فتحت أي كتاب من كتب الأدب كتاب البيان والتبيين، أو رسائل الجاحظ أو بلوغ الأعراب، وكتب المحاضرات إلى غير ذلك؛ لوجدت كثيراً منها مليئة بالقصص والطرائف والأخبار والنوادر، التي تتندر بالأنبياء أو بالمرسلين أو بالقرآن، -ومع الأسف- أن بعض الناس قد يقرؤها ثم ينقلها ويرويها، دون أن يتفطن إلى تحريم ما فيها، فينبغي أن تكونوا حذرين -أيها الإخوة- من حكاية أي نكتة أو قصة أو طرفة، أو المزاح بشيء فيه ذكر الله تعالى أو الرسول أو القرآن.

ولذلك كان أهل العلم والخلفاء وغيرهم، أشد الناس في هذه الأمور، كان عند أحد الخلفاء إنسان يمازح ويسمى نديم، يدخل السرور عليه، ويسمى مضحك أو حاكي، فكان يضحك الخليفة، ولكن كان الخلفاء -مع ذلك- إذا تعدى هذا المضحك حدوده أوقفوه بشدة، كما يروى أن هارون الرشيد كان يقرأ شيئاً من القرآن، من سورة "يس"، أظن أنها قوله تعالى: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:22] أو نحو ذلك.

المهم قام المضحك وقال له: لا أدرى لماذا تفعل هذا؟ (أو نحو ذلك) ! فهو جاء بنكتة بمناسبة الآية، فغضب الرشيد وهدده وتوعده إن كرر مثل ذلك بأن يسوءه، ويلحق به الذل والمهانة، فكان الخلفاء ومن دونهم من العلماء وغيرهم، يمنعون الناس من أن يهزلوا بشيء يتعلق بالدين والوحي والشرع، فينبغي أن تصان هذه الأشياء.

وبعض الصحفيين -أحياناً- ينقلون مثل هذه الأشياء، أو يقولونها من عند أنفسهم، ويقولون: موجودة في كتب الأدب.

وهل كتب الأدب حجة؟!! وقد أعطاني بعض الشباب -ولعل هذا يكون مجال للحديث عنه في الدرس المخصص للنكت والطرائف كما ذكرت لكم كتاب نوادر جحا، يباع في الأسواق في مجلد يمكن أن يشتريه الواحد بأربعين ريال، أو ثلاثين ريالاً!! فإذا فيه من ذلك شيء كثير، لا يجوز أن يقال، ولا ينبغي أن يوجد في مكتبات المسلمين وبيوتهم وأسواقهم.

ولذلك جاء عن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ويل للرجل يكذب ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له} والحديث رواه الترمذي وسنده حسن، فتوعد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإنسان الذي يكذب ليضحك القوم بشيء من الدين والشرع بالويل.

النوع الثاني: ما كان فيه أذية لأحد من الناس.

وفي أنواع الهزل المذموم: ما كان من الهزل فيه أذية لأحد من الناس.

ولذلك يقول خالد بن صفوان رحمه الله عاتباً على طريقة بعض الناس في المزاح: يصك أحدكم أخاه بشيء كالجندل -أي كالصخور الصلبة- وينشقه أحرق من الخردل- والخردل نبات لبذره طعم حار- ويفرغ عليه أحر من المرجل -أي الماء المغلي المطبوخ-.

ثم يقول: كنت أمازحك! وهذا واقع كثير من الناس، فهو يصك أخاه بأشد من الجندل، وينشقه في أنفه أحرق من الخردل، ويصب عليه أحر من المرجل ويقول: أنا أمزح.

فيأتي بكلمة حارة قاسية، أو يأتي بنكتة ثقيلة، أو يأتي بمزحة في غير محلها، فبعض الناس قد يضع صاحبه في موقف حرج، فقد يكون الرجل في مناسبة زواج، فيتفق مجموعة من زملائه على أن يفعلوا له -كما يسمونه هم- مقلباً يسبب له الإحراج في تلك الليلة، وقد يترتب عليه أضرار، حتى أني أذكر مجموعة من الشباب استطاعوا أن يخرجوا شاباً من عند عروسه في ليلة العرس بحجة من الحجج الواهية، ثم يتوعدهم هذا الشاب بأنه سوف ينتقم منهم ويقتص منهم، وبعد فترة يخطط ليوقع بهم مثل ما أوقعوه فيه.

وقد يأتي إنسان لصاحبه، وهو يريد أن يسافر، وقد يكون حاجزاً علي طائرة أو ما شابه ذلك، مستعجلاً، فيجعل له موقفاً معيناً على سبيل الممازحة، يكون سبباً في تأخره، وقد يكون -كما ذكرت- موقف حرج، أعصابه مشدودة، ويقولون: على سبيل المزاح! وقد يكون الإنسان يريد أن يغتسل، أو يتوضأ في يوم شديد البرد، فيوقعونه في حرج عظيم، وربما يترتب على بعض هذا المزاح -أحياناً- موت كما حدث فعلاً، أو ضرر عظيم للإنسان، أو تلف لبعض أجزاء بدنه، أو تأثر في نفسه، أو رعب يصيبه، وأقل ما يمكن أن يحدث فزع يكون سبباً في القطيعة بين هؤلاء الإخوان.

ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الإنسان نعل أخيه جاداً ولا هازلاً فقال: {لا يأخذن أحدكم} لأنه عندما لا يجد نعله، قد لا يتصور أن هناك أحد يمزح معه؛ فيصاب بخوف إذا فقد نعله ويحزنه ذلك، فما بالك بما يفعله كثير من الشباب من أنواع المزاح الثقيل؟! الذي لا يمكن أن يتقبله شخص عاقل بحجة أنه مزاح، وهو مزاح ولكنه كالمزاح الذي تحدث عنه خالد بن صفوان رحمه الله.

وهذه الأنواع من المزاح محرمة بلا شك، بل قد يترتب عليها من الأضرار أضعاف ما ذكرت.

النوع الثالث من المزاح المذموم: ما كان فيه كذب، كما سبق: {ويل للذي يكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له} وقد ذكرت أنه رواه الطبراني والصحيح أنه رواه الترمذي بسند حسن، فالكذب في المزاح لا يجوز.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث السابق: {نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً} .

ويلاحظ أن بعض الشباب في اجتماعاتهم وجلساتهم، كل مجموعة من الشباب يكون لهم -أحياناً- شاب يعتبرونه نجماً للمزاح والدعابة، وهذا الإنسان هو المضحك، لا يمكن أن يسافروا أو يذهبوا إلا ويكون بينهم؛ لأنه يلقي بالمزاح والنكت والدعابة فيهم باستمرار، ويجعل لهم أشياء من هذا القبيل، وهذا الإنسان يجره الموضوع إلى ارتكاب ما حرم الله، والوقوع في الكذب والاختلاق، وهذا -لا شك- أنه محرم، ولا يجوز كما سيأتي مزيد من البسط لذلك.

النوع الرابع من المزاح المذموم المحرم: وهو ما كان فيه إكثار يتعدى حد الاعتدال إلى حد التفريط.

والإكثار من المزاح، حتى يعرف به إنسان ويصبح علامة عليه -مذموم كما سبق وأشرت إلى شيء من ذلك- ويؤثر في شخصية الإنسان؛ فيصبح إنساناً هازلاً، ولا شك أن الإسلام ليس بحاجة إلى الهازلين واللاعبين والمضحكين، إنما هو بحاجة إلى الرجال الجادين الصادقين، الذين تعلموا الجد في طلب العلم، وفي الدعوة، وفي الجهاد، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولا يمنع أن يمزح الإنسان -أحياناً- للتسلية، أو لغير ذلك من الأغراض السابقة، أما كون الإنسان همه الإضحاك فهذا لا ينفع في دنيا ولا في دين.

ولذلك لا ينبغي أن يكثر الإنسان من المزاح حتى يُضحَك به، ويروى - أن امرأة كانت تمزح بمكة، -كانت مزاحة- فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، جاءت هذه المرأة إلى المدينة، ثم جاءت إلى عائشة رضي الله عنها، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: على من نزلت؟ فقالوا: على فلانة، فذكروا امرأة في المدينة مزاحة معروفة بالمزاح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف} .

والحديث رواه أحمد في مسنده، وأصله -كما هو معروف- في الصحيحين.

وعلى هذا النوع من المزاح يحمل حديث: {لا تمار أخاك ولا تمازحه، ولا تعده عدة فتخلف} مع أن الحديث ضعيف، والحديث رواه الترمذي عن ابن عباس، وسنده ضعيف؛ فلا يحتج به.

وفي المثل يقولون: من كثر مزاحه زالت هيبته، ومن كثر خلافه طابت غيبته.

فإن الإنسان إذا كثر مزاحه لم يهبه أحد، وإذا كثر خلافه وجدله ومماراته؛ استحسن الناس غيبته وفرحوا بفقده.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015