الوسيلة الثالثة: الصدق

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] وفي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود: {إن الصدق يهدي إلى البر} وفي رواية: {عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى البر} .

وقال بعض السلف وبعض الشيوخ: قل لمن لا يصدق: لا يتبعنا، وقال بعضهم: الصدق سيف الله في الأرض، ما وضع على شيء إلا قطعه، وقال يوسف بن أسباط وهو من العباد الكبار: ما صدق الله تعالى عبد إلا صنع له، أي: إذا كان صادقاً مع الله، فإن الله سبحانه وتعالى يسخر له خلقه؛ ولذلك كان الفرق بين المؤمن والمنافق، أن المؤمن صادق والمنافق كذاب.

ولذلك ليس الصدق أن تكون صادقاً في قولك فحسب، بل الصدق أشمل من الصدق في القول، وأن الواحد لا يكذب ولا يذكر خلاف الواقع، هذا صدق، ومن الصدق أن يفي الإنسان بما وعد أيضاً، وألا يقول: والله إن حصل كذا لأفعلن كذا، ثم يفعل: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة:75-76] .

ومن الصدق: الصدق في الأعمال وذلك؛ أن تقصد بها وجه الله تعالى، لا تقصد بها شيئاً آخر، لا رياء ولا سمعة.

وما أعظم وأدق وألطف مداخل الشيطان على نفس الإنسان! فلا بد للإنسان أن يضع كشافات على قلبه وعلى مشاعره وعلى نياته، يكتشف بها كيف يتسلل الشيطان.

ولذلك ألف ابن الجوزي رحمه الله كتاباً اسمه تلبيس إبليس؛ لأنه يلبس على الكبار، على العباد والزهاد وطلبة العلم والعلماء والشيوخ، فكيف بالعوام؟! وسائر الناس هم أقرب تأثراً وانخداعاً بتلبيس الشيطان.

كذلك الصدق في النيات ومجاهدة الإنسان نفسه على إخفاء العمل بقدر ما يستطيع إذا كان إخفاؤه لا يضر ولا يؤثر حتى يكون أخلص لله تعالى وأبعد عن إرادة وجه الناس في هذا العمل؛ ولهذا مدح الله تعالى وأثنى في القرآن كثيراً على الذين يريدون وجه الله: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل:20] {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة:272] {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء:57] {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد:22] .

فأثنى الله تعالى على الصادقين الذين صدقوا في نياتهم ومقاصدهم، وصدقوا في أقوالهم، وأعمالهم، بحيث انعكس الصدق على وجوههم، حتى كان الواحد منهم إذا رآهم، عرف أنهم صادقون، ليست وجوههم بوجوه الكذابين، لا يتعاملون بالحيل والمكر والقيل والقال، والتلبيس فهم مكشوفون واضحون صرحاء، شخصياتهم غير قابلة لأن تلبس غير ثوبها أبداً، لأنهم تعاملوا بالصدق مع الله ومع الخلق.

من الصدق أيضاً: البعد عن التكلف والتصنع للناس ومجاملتهم، وأن يتعامل الإنسان تعاملاً حسناً مع الله ويعمل لله، كما كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: [[إنما أريد ما عند الله تعالى]] .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015