فلماذا جاء شامير إلى مدريد ما دامت القضية هكذا؟ أولاً: من الأشياء الطريفة أن يأتي إلى ذلك المؤتمر، ثم يلقي كلمته، وبعد أن يلقي كلمته، ينصرف من المؤتمر لأن غداً يوم العطلة المقدس عند اليهود، يوم السبت، فهو لا يستطيع البقاء ولابد أن يذهب هناك، فهناك طقوس دينية لا بد أن يمارسها؛ إنها ضربة على الوجوه لمن جاءوا يحملون أسماءً عربية، لأن بداية المؤتمر كان في يوم الجمعة، ولم يتحرك هؤلاء وأنى لهم أن يتحركوا، وكيف يفكرون أن يتحركوا ويؤدوا شعائر صلاة الجمعة، على حين أن ذلك الرجل اليهودي أعطاهم ضربة على وجوههم حينما غادر المؤتمر من أجل أن يذهب إلى دولته في إسرائيل ليؤدي شعائر يوم السبت.
المؤتمر عقد في أسبانيا البلد الذي شهد يوماً من الأيام الفتح الإسلامي، ثم شهد خروج المسلمين من تلك البلد الواسعة التي كانت تسمى بالأندلس، ولا أدري! هل كان على سبيل المصادفة أن يعقد مؤتمر السلام العربي الإسرائيلي في أسبانيا؛ أم إن الغرب اختار ذلك الموقع بعناية؛ ليؤكد على أن المسلمين سوف يسلمون فلسطين وما حولها بوثيقة الذل والهوان كما سلموا من قبل وثيقة الذل والهوان، ووقعوا عليها في الأندلس، فالأمران متشابهان؟! خلت فلسطين من أبنائها النجب وأقفرت من بني أبنائها الشهبِ طارت على الشاطئ الخالي حمائمه وأقلعت سفن الإسلام والعربِ يا أخت أندلس صبراً وتضحيةً وطول صبرٍ على الأرزاء والنوبِ ذهبت في لجة الأيام ضائعة ضياع أندلس من قبل في الحقبِ وطوحت ببنيك الصيد نازلةٌ بمثلها أمة الإسلام لم تصبِ أيضاً من الغريب، ولا أدري! هل كان -هذا أيضاً- مصادفة أن الشهر والعام الذي عقد فيه ذلك المؤتمر يوافق تماماً الشهر والعام الذي عقد فيه الاجتماع بين النصارى وبين أبي عبد الله الملك الخائن في الأندلس الذي وقع وثيقة الذل والهوان والاستسلام، لقاء الاحتفاظ بمميزاته وخصائصه الشخصية ومصالحه الذاتية، ففي عام (1491م) ، وفي شهر نوفمبر وقعت وثيقة تسليم الأندلس للنصارى، وفي عام (1991م) وفي نوفمبر أيضاً، بدأ مؤتمر مدريد للسلام بين العرب واليهود.