ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قريشًا هذه -كما يرجح المؤرخون الإسلاميون- إنما هي من نسل رجل واحد، هو "فهر بن مالك بن النضر بن كنانة" من ولد إسماعيل عليه السلام، وأن اسم قريش لم يعرف إلا منذ أيام "فهر"، ومن ثم فقريش هم "فهر" ومن تحدر من صلبه من سكان مكة وظواهرها1.
وأما أقدم ذكر لقريش في النصوص العربية الجنوبية القديمة، فربما كان -كما أشرنا من قبل -يرجع إلى أيام الملك الحضرمي "العزيلط"، والذي حكم في القرن الأول قبل الميلاد على رأي، وفي القرن الثالث الميلادي على رأي آخر2، فهناك ما يشير إلى أن عشر نساء قرشيات رافقن الملك "العزيلط" إلى حصن "أنو"، فإذا كان النص يعني حقًّا بقريش، قريش صاحبة مكة، فإننا نكون قد وقفنا لأول مرة على اسم قريش في وثيقة مدونة من عصر هذا الملك3.
وأيا ما كان الأمر، فلقد أنجب قصي ثلاثة أبناء -عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى- ورغم أن عبد الدار كان أكبر إخوته، إلا أن عبد مناف كان أكثر شهرة، وأرفع شأنا، وأعظم مهابة، ومن ثم فقد رأى قصي أن يعوض عبد الدار عما فقده من مقومات الزعامة، فأسند إليه كثيرًا من الوظائف ليقاوم شخصية أخيه القوية، وتمضي الأيام ويرث الأبناء الآباء، ويقوم النزاع بينهم، حتى ينتهي آخر الأمر، بأن يتولى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة "مفاتيح الكعبة" واللواء ورياسة دار الندوة لبني عبد الدار4.