وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا أَنهم يُرِيدُونَ بذلك استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:)

(يَقُولُونَ: حصنٌ ثمَّ تابى نُفُوسهم ... وَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح)

(وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزل ... نُجُوم السَّمَاء والأديم صَحِيح)

أَرَادَ أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث.

وَهَكَذَا تستعمله الْعَرَب فِيمَن هلك فسَاء هَلَاكه وشق على من يفقده. قَالَ الْفِرَار السّلمِيّ:

(مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِم ... وَقتلت دون رِجَالهمْ: لَا تبعد)

(يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنونني ... وَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا)

وَالْغَرَض الثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا ينسى لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

(فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم ... بأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد)

وَقَالَ آخر:

(فَإِن تَكُ أفنته اللَّيَالِي فأوشكت ... فَإِن لَهُ ذكرا سيفني اللياليا)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015