الرأي الصائب، وشهاب العزم الثاقب، وسماء العز التي زينت من آثاره بزينة الكواكب، والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج، عند قطع الأجساد، من بين الصلب والترائب1، لا تجحد آثاره، ولا ينكر قراره، إذا اشتبت في الدجى والنقع ناره، يجمع بين الحالتين البأس والكرم، ويصاغ في طوق الحليتين، فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب2 أهل النقم، ويحسم به أهواء الفتن المضلة، ويحذف بهمته الجازمة حروف العلة، وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب، فقل يسألونك عن الأهلة، فهو القوي الاستطاعة، الطويل المغمر إذا قصف سواه في ساعة، فما أولاه بطول الإحسان، وما أجمل ذكره في أخبار المعمرين ومقاتل الفرسان، كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع، وكأنه زناد يستضاء به، إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع، كم قد مد فأدرك الطلاب، ودعا النصر بلسانه المحمر من أثر الدماء فأجاب، وتشعبت الدول لقائم نصره المنتظر، وحازت أبكار الفتوح بحده الذكر، وغدت أيامها به ذات حجول معلومة وغرر3، وشدت به الظهور، وحمدت علائقه في الأمور، واتخذته الملوك حرزًا لسلطانها، وحصنًا على أوطانها وقطانها4، وجردته على صروف الأقدار في شأنها، وندب فما أعيت عليه المصالح، وباشر اللمم، فهو على الحقيقة بين الهدى والضلال، فرق واضح، وأغاث في كل فصل فهو إما لغمده سعد الأخبية، وإما لحامله سعد السعود وإما لضده سعد الذابح، يجلس على رءوس الأعداء قهرًا، ويشرح أنباء الشجاعة قائلًا للقلم: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} 5، وهل يفاخر من وقف الموت على بابه، وعضت الحرب الضروس بنابه، وقذفت شياطين القراع بشهبه، ومنح آيات شريفة منها طلوع الشمس من غربه، ومنها أن الله أنشأ برقه، فكان للمارد مصرعًا وللرائد مرتعًا {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} 6 كم اتخذ من جسد طرسًا، وكتب عليه حرفًا لا ينسى فيه للألباب عبرة، وللأذهان السابحة غمرة بعد غمرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من لفظ يجمح، ورأي إلى الخصام يجنح.