على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر عليه على فعل ما حرم إمّا لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا. قوله: (الأخرى قي الحيوة الدنيا الخ) قال الراغب: خزى الرجل لحقه انكسار من نفسه أو غيره، فالذي من نفسه الحياء المفرط ومصدره الخزاية والذي من غيره كالذل والهوان مصدره الخزي أي ليس جزاء فاعله منكم لا ممن خالفتموهم في الدنيا إلا الفضيحة وفي الآخرة إلا العقاب والجزاء يطلق في الخير والشر وقيل: عليه أنّ القتل ليس خزيا على تفسيره إلا أن يكون خزيا لذراريهم وذويهم أو أنّ ما ذكره أصل معناه ثم عم واجلاء النضير إلى أريحاء وأذرعات، وقوله عمى غيرهم قيل عليه إنه صريح في أنهم غير منحصرين في قريظة والنضير وما ذكره سابقا وكذا ما نقل عن الطيبي يخالفه فالصواب ما في المغازي أنهم كانوا فريقين بني ينقاع بفتح القاف وتثليث النون وهما حلفاء الخزرج والاخر النضير وقريظة وهم حلفاء الأوس فتأمّل. وقوله: وأصل الخزي أي أصل هذه المادّة بقطع النظر عن خصوص المصدر وقيل: عليه أنّ الخزي لا يستعمل في الاستحياء، وإنما المستعمل فيه الخزاية كما مر عن الراغب وذكر مثله المرزوقيّ وغيره والدنيا مأخوذ من دنا يدنو وياؤه منقلبة عن واو فرقا بين الأسماء والصفات وإنما كان عصيانهم أشد لأنه كفر بكتاب الله بعدما علموا خلافه، ووجه القراءة بالخطاب والغيبة ظاهر والقراءة المنسوبة إلى عاصم شاذة والردّ إن كان بمعنى التصيير فظاهر وان كان بمعنى الرجوع فلأنهم معذبون في الدنيا وفي القبور، وقوله بالآخرة أي

بحظوظها ومن قال بحياتها أراد الحياة المقيدة بها إشارة إلى المجاز في اشتروا، والباء داخلة على المتروك. قوله: (بنقض الجزية الخ) أقول عدم تخفيف عذاب الكفار وقع في سور ثلاث البقرة وآل عمران والنحل وقد صرح فيها بأنّ العذاب الذي لا يخفف عنهم عذابهم بعد دخول جهنم المخلد لاقتضاء الحكمة والعدل الرحماتي عدم الاستواء فيه وأن يجعل على مقدار كفرهم فلا يكون عذاب من لم يؤذه ولم يبارزه بالعداوة بل أعتقد رسالته وأحبه وإنما كفر بالجحد اللساني لحمية الجاهلية كأبي طالب كعذاب غيره على مراتبهم في الكفر والإيذاء، فجعل عذاب الأوّل خفيفاً بالنسبة لمن عداه أو تخفيفه في البرزخ قبل سجن سجين لا ينافي عدم تخفيفه بعد دخول دار الخلود كما قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 121] فلا ينافي القضاء بتخفيفه أوّلاً الذي سيذكره المصنف رحمه الله في الزلة كما يتراءى في أوّل نظرة ومنهم من فسر التخفيف بتخفيف العذاب الدنيوي والأخروي الشامل للخزي والنصر بدفع الجزية ولم يتعرض لدفع العذاب لأنه يفهم من نفي تخفيفه بالأولى وقوله أي التوراة لم يقل جملة واحدة كما في الكشاف لأنه لا دلالة للنظم عليه وما فيه بيان للواقع. قوله: (وقفينا الخ) قالوا كان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أربعة آلاف نبيّ، وقيل سبعون ألفاً كانوا على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم ومعنى تترى متتايعين واحداً بعد واحد وأصله وترى واتبعه الأول في كلام المصنف من الافتعال والثاني من الأفعال، قيل: يقال قفاه يقفوه قفوا أي اتبعه وقفاه غيره تقفية أي اتبعه من القفا ولما كان عدم بيان إرداف موسى عليه الصلاة والسلام بجمع من ارسل معا مراداً لم يقل وقفيناه بالرسل فإنّ المراد منه تقفية كل منهم لموسى عليه الصلاة والسلام بالذات، وليس كذلك بل قثل: قفينا من بعده بالرسل على تضمين قفينا معنى جئنا من بعده بالرسل مقتفين أثره ومتبعين شريعته فمن قال أصل الكلام قفينا موسى صلى الله عليه وسلم بالرسل فترك المفعول به وأقيم من بعده مقامه لم يصب وكذا تفسير المصنف رحمه الله التقفية بالإرسال تبعاً للزمخشري غير صواب، وهذا تخيل لا وجه له لأن التقفية إما محسوسة، كأن يمشي على أثره أو معقولة كاتباع شريعته وكل من ذلك لا دلالة له على المعية كما يقال: للأمم اتبعوا نبيهم وتفسيره بأرسلنا بعده مما وقع لغير المصنف بيانا لأنّ المراد أنّ إرسالهم بعده لا في حياته فالإقدام على تخطئة هؤلاء الفحول من غير داع وارتكاب التضمبت من فضول الكلام

طور بواسطة نورين ميديا © 2015