يعني أنّ غيره ليس جلاء بالنسبة إليه وفي الفصول للقصار ليس النفي جلاء الأوطان بل البعد عن رياض! الجنان. قوله: (ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم بلزومه) أي خلفا بعد سلف يعني أخذ منكم الميثاق والتزمتموه فالإقرار ضد الجحد ويتعدّى بالباء ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الأمر على حاله أي أقررتم بهذا الميثاق ملتزما والمصنف رحمه الله تعالى غافل عن هذا، ولذا عداه بالباء كذا قبل: وليس بشيء لأنّ إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به لا يلائمه
ترله وأنتم تشهدون، وأتا بمعنى الإثبات سواء كان باللسان أو بالقلب وضده الإنكار فيتعدى بالباء أيضاً كما ذكره الراغب ووجه كونه تأكيدأ أنّ المعنى أقررتم إقرارا ملزما كما تلزم البينة، وهذا مما يقوّيه ويؤكده ويدفع احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه فهو احتراس دافع أط! حتمال وهو لا ينافي التأكيد كما توهم وإذا كان الإقرار إقرار السلف واسناده لهؤلاء مجازيّ بأن أسند إليهم ما وقع من آبائهم فليس فيه تغليب كما توهم أنه من قبيل {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} فإنه وجه آخر، وانشهادة من الخلف فهو على هذا من عطف جملة على أخرى وعلى الأوّل حال على سبيل التتميم. قوله: (استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق (مرّ تقرير الاستبعاد وما بينه وبين الترإخي الرتبي، وقوله: وأنتم مبتدأ الخ في الكشاف ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به وقوله: تقتلون بيان الخ، ولما كان الإخبار باسم الإشارة لا يقتضي المغايرة وحمل الظاهر على الضمائر لا يقتضي ذلك كما إذا قلت ها أناذا قائما وأنا زيد أو ضارب فلا عدول فيه عن مقتضى الظاهر اعترض عليه أبو حيان بأن المشار إليه بقوله: أنتم هؤلاء المخاطبون أوّلأ فليسوا قوما آخرين ألا ترى أنّ التقدير الذي قدره الزمششريّ من تقدير تنزيل تغير الصفة منزلة تغير الذات لا يتأتى في نحوها أنا ذا قائماً ولا في أنتم هؤلاء بل المخاطب هو المشار إليه من غير تغير، وقال الحلبي: لم يتضح لي صحة الإيراد عليه وما أبعده عنه لأنه لم يفهم مراده، فالحق أنه اعتراض قوفي وكلامه لا يخلو عن خفاء، وقد أشار إليه شراحه وحاولوا توجيهه فقيل: كان من حق الظاهر ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها فأدخل هؤلاء وأوقع خبرا لأنتم، وجعل قوله تقتلون أنفسكم جملة مبينة مستقلة ليفيد أنّ الذي تغير هو الذات بعينها نعيا عليهم بشدة وكأنه أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه وقله المبالاة به، وقوله: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به يعني ما أنت بالذي كنت من قبل وكأنك ذهب بك وجيء بغيرك وفي الحديث: " دخل بوجه غادر وخرج بوجه كافر " اص. والمصنف رحمه الله تعالى لم يمثل بما مثلى به في الكشاف لكن لا فرق بينهما كما توهم لأن قوله أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا مع أنّ الظاهر أن يقول أنت فعلت كذا كأنه قدر في نفسه أنه صار شخصآ آخر، ثم إنّ قوله وأنتم تشهدون على الوجه الثاني خطاب لمن أدرك
زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم من اليهود وأنتم هؤلاء كذلك فادّعاء المغايرة في المحمول بحسب الذات لا يخلو عن كدر وان كان خطابا للكل وأنتم كذلك فالمغايرة حقيقية والحمل محتاج إلى التأويل، وقوله باعتبار ما أسند إليهم يعني أنتم المعبر به عن المأخوذ عليهم الميثاق وباعتبار ما سيحكي يعني هؤلاء، وقيل: أراد بالأوّل إسناد الإقرار والشهادة لأنهما يوجبان القرب وبالثاني قتل أنفسهم الخ لأنّ المعاصي توجب البعد. قوله: (إمّا حال والعامل فيها معنى الإشارة) وشممى عاملاً معنويا لكونه في معنى الفعل وهذا كقولهم ها أنا ذا قائما قال أبو حيان رحمه الله تعالى: والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال، وأما على البيان فكأنه لما قيل: ها أنتم هؤلاء قيل: ما شأننا فقيل: تقتلون الخ والجملة لا محل لها من الإعراب وأمّا أنه تأكيد فهو على أن يجعل بدلاً مما قبله، أو عطف بيان والمراد با اضأكيد معناه اللغوي وهو مطلق التقوية بالتكرير وأمّا جعله موصولاً فهو مذهب البصريين في جميع أسماء الإشارة فإنها تكون عندهم أسماء موصولة، كما قال الجمهور في ماذا صنعت أنه بمعنى ما الذي صنعت والصحيح خلافه ولأنه يصير أيضاً