فالتشبيه مترتب على عرفان حالها وأنه حامل على التشبيه المؤذي إلى الاستعارة (أقول) : فيه بحث فإنه إنما يتوجه ما ذكره إذا شبهت القلوب بالحجارة كما في الممثل به فإن العهد شاع استعارة الحبل له كما مرّ أما لو أريد تشبيهها بالأجرام الصلبة الاملة للمعادن وغيرها فتتوجه صحة التفريع بلا تكلف إذ المعنى أنها صارت كالصلب فهي كأصلب ما يكون منه ولا يرد عليه شيء وبه يندفع أيضا الشبهة الواردة في التشبيه. قوله: (وثم لاستبعاد القسوة الخ) قال العلامة: ثم موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي ههنا إذ قسوة قلوبهم في الحال لا بعد زمان فهي محمولة على الاستبعاد مجازا إذ يبعد من العاقل القسوة بعد تلك الآيات كقولك لصاحبك: قد وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، ومن الناظرين في الكتاب من حمل هذا على التباعد في الرتبة وليس بذاك فإنّ معناه أنّ مدخول ثم أعلى كما في قوله: ثم استوى والمراد ههنا أنّ مدخولها بعيد عن الوقه ع، وقوله: من بعد ذلك مؤكد للاستبعاد أشد تأكيد ثم إنّ منهم من جعل الاستبعاد مأخوذاً من الكلام لا مدلول ثم والأمر فيه سهل وما ذكر من الفرق بين التفاوت في الرتبة والاستبعاد ليس بشيء لأنه بعد رتبيّ أيضا إلا أنه لم يعتبر في الثاني العلو وهذا لا طائل تحته وهو يشبه النزاع اللفظي ولذا لم يلتفت إليه الشارح المحقق ثم إنه قيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حتى قالوا: إنّ الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، وقوله: فإنها مما توجب الخ إشارة إلى وجه الاستبعاد كما مرّ. قوله: (والمعنى أنها في القساوة الخ) عبر بمثل إشارة إلى أن الكاف هنا اسم معطوف عليه أشد بمعنى أزيد أو التقدير مثلى ما هو أشد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأيده بقراءته مجرورا بالفتحة لعدم صرفه ولذا وقع في نسخة بالجر وفي أخرى بالفتح وقسوة قال أبو حيان تمييز محوّل عن المبتدأ أي فقسوتها وأشد معطوف على قوله كالحجارة

عطف مفرد على مفرد كما تقول زيد على سفر أو مقيم ولا حاجة إلى تقدير الزمخشريّ أو هي أشدّ. قوله: (وإنما لم يقل أقسى الخ) يعني أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر وقد ورد كقوله:

كل خمصانة أرق من الخص ص بقلب أقسى من الجلمود

وهو وان كان من العيوب لكنها باطنة لا ظاهرة فلا يمتنع صوغه منه كما توهم فلا حاجة

إلى التوصل إليه بأشد فأجاب بأنّ أشدّ أبلغ من أقسى لدلالته على الزيادة بالمادة والهيئة فيدل على اشتداد القسوتين في المفضل والمفضل عليه، أو أنّ المراد بأشدّ ليس التوصل بل التفضيل في الشدّة وقدم الأوّل لأنه الأنسب المتبادر ويمكن أن يقال: إنه لظهوره الحق بالعيوب الظاهرة وهو حسن، وأمّا الاعتراض بأن أشد محمول على القلوب لا على القسوة فليس بشيء لأن أصله قسوتهم أشدّ فحوّل. قوله: (وأو للتخيير الخ

لما كانت أو تستعمل للشك وهو عليه تعالى محال دفعه بأنه للتخيير وهو يكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر كما مرّ أو للترديد يعني أنّ الشك ليس راجعاً إلى الله بل إلى من يعرف حالهم فإنه يمكته أن يشبههم بالحجارة أو أشدّ منها فالشك بالنسبة إلى المخاطبين لا بالنسبة إلى المتكلم. قال العلامة: وهذا يؤدّي إلى تجويز أن تكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع حتى تستعمل إذا تحقق المخاطب وهذا إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره ولو جعلت بمعنى بل لكان أحسن وقيل: إنها للتنويع أي بعضهم كالحجارة وبعضهم أشدّ، وقيل: معنى الترديد تخويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير. قوله: (تعليل للتفضيل الخ) عدل عن جعله بيانا للتفضيل كما في الكشاف لأنه يقتضي الفصل ومراد. أنها جملة حالية مشعرة بالتعليل ومثله كثير، وأمّا قول الثارح المحقق يريد أنه بيان وتقدير من جهة المعنى وأمّا بحسب اللفظ فعطف على جملة هي {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ} فلا يظهر وجهه وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} الخ وارد على نه! التعميم دون الترقي كـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذ لو أريد الترقي لقيل: وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعته وهو أبلغ من الترقي، وكأنّ المصنف رحمه الله غافل عن هذا حيث جمع بينهما في البيان

طور بواسطة نورين ميديا © 2015