بالدلالة وفي الآخر بالزعم ولم يذكر له متمسكاً، وأجيب عما ذكره بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه صفة الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة بزعمهم فعينها الله تشديداً عليهم وان لم تكن من أوّل الأمر معينة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر المتبادر.
قوله: (ومن أنكر ذلك رّعم أنّ المراد بها بقرة من شق البقر الخ) شق بالكسر أي من جانبها ونوعها من غير تعيين، وفي الأساس خذ من شق الباب أي عرضه ولا تختر أي أنّ المأمور به غير معينة بحيث يحصل الامتثال بذبح أيّ بقرة كانت تمسكاً بظاهر اللفظ لقوله عليه الصلاة والسلام: " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم " وهو مروفي عن ابن عباس رضي الله عنهما لكن لفظ المروي: " لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الثه عليهم " أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً، وبه يشعر قوله فافعلوا ما تؤمرون قبل بيان اللون، وقوله: ثم انقلبت الخ. جواب عن تمسك القائلين بالتعيين بأنه دل عليه السياق، ووقع الاتفاق على أنه لم يرد أمر متجدّد غير الأوّل يكون به امتثالهم وإنما الامتثال بالأمر الأوّل فلزم أن لا يكون منسوخا وأن يكون أمراً بذبح المعينة لظهور أنّ الامتثال لم يقع إلا بالمعينة، وتقريره إنا لا نجعل نسخ الأمر الأوّل وانتقال الحكم إلى المخصوصة مبنياً على ارتفاع حكمه بالكلية حتى يحتاج إيجاب المخصوصة إلى أمر متجدد
بل على أنه كان متناولاً لها ولغيرها بمعنى حصول الامتثال بأقي فرد كان فارتفع حكمه في حق ما عداها وبقي الامتثال بذبحها خاصة فكان ذبحها امتثالاً للأمر الأول ولم يكن هذا منافيا لنسخ الأمر الأوّل في الجملة ولا موجبا لكون المراد به أوّلاً ذبح المعينة ويلزمه النسخ حيث ارتفع الإجزاء بأيّ فرد كان والتخصيص في عبارته بمعنى التقييد لا القصر ولا الاصطلاحيّ لأنه مطلق لا عامّ، وقوله والحق جوازهما أي جواز تأخير البيان عن الخطاب فإنّ الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة على الصحيح وليس هذا منه فإنه لا دليل على أنّ الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك وكذلك النسخ قبل الفعل جائز بل واقع كما في حديث: " فرض الصلاة خمسين في المعراج ". وقد نص عليه السهيليّ في الروض! ، وإنما الممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق، وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وفيه نظر وأيده بتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة قبل بيان اللون وكونها مسلمة غير مذللة وقوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} وقيل: إنه دليل على أنه اختار القول الثاني ولم يجعل الحديث دليلا لأنه خبر واحد لا يعارض الكتاب وان كان صريحا فيه. قوله: (فافعلوا ما تؤمرون أي ما تؤمرونه بمعنى ما توّمرون به الخ) تأكيد للأمر وتنبيه على ترك التعنت وقوله: ما تؤمرونه إشارة إلى أنّ ما موصولة والعائد محذوف قال المحقق قد يتوهم أنه مثل لا تجزي نفس عن نفس شيئا في حذف الجارّ والمجرور دفعة، أو تدريجاً أو أنه من قبيل التدريج حيث حذف الباء أوّلاً ثم الضمير، والظاهر من العبارة أنه من قبيل حذف المنصوب من أوّل الأمر لأنّ حذف الجارّ قد شاع في هذا الفعل وكثر استعمال أمرته كذا حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وصار ما تؤمرون في تقدير ما تؤمرونه، ولذا جعل ما تؤمرون به هو المعنى دون التقدير وأمّا جعل ما مصمدرية والمصدر بمعنى المفعول أي المأمور بمعنى المامور به فقليل جداً وإنما كثر في صيغة المصدر اهـ. وهذا الأخير هو معنى قول المصنف رحمه الله أو أمركم الخ ولما فيه أخره وهو يخالف قول الطيبيّ رحمه الله أنّ الأمر لا يستعمل إلا بالباء وقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مط ل وذا نشب
قيل: قائله عباس بن مرداس وقيل: خفاف بن ندبة، وقال الآمديّ رحمه الله: أرى من
الشعراء شاعرا يقال له الأعثى غير الأعشى المشهور وهو من بني فهم حلفاء بني سليم وهو القائل:
يا دارأسماء بين السفح فالرحب أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
إني حويت على الأقوام مكرمة قدماً وحذرني ما تتقون أبي