الصلاة والسلام إنما هو من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كدّا وموضع كذا، وقال الزجاج: واعدنا بالألف جيد لأنّ الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة فمن الله وعد ومن موسى عليه الصلاة والسلام قبول واتباع فجرى مجرى المواعدة وكذا قال مكيّ رحمه الله. قوله: (من بعد موسى عليه الصلاة والسلام أو مضيه (وفي نسخة أي مضيه يعني أنّ الضمير راجع لموسى عليه الصلاة والسلام من غير تقدير مضاف اكتفاء بقرينة الاستعمال فإن الشخص إذا مات يقال: بعد فلان من غير تقدير أو يقدر والمعنى واحد، وقيل:
عليه إنّ اتخاذ العجل إلها من بعد موسى عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام متخذاً إلها قبل ذلك كما لا يخفى على العارف بسياق الكلام فلذا اقتصر في الكشاف على التوجيه الثاني انتهى. ولا يخفى أن بعد ومن بعد إذا تعلق يفعل ونحوه فقد يراد البعدية في اعتلبس به ولا يقدر فيه مضاف لأنه مفهوم من فحوى الكلام كما إذا قلت: جاء زيد بعد عمرو والمقصود تعاقبهما في المجيء، وكقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً} ، وقد لا يراد ذلك ولا يصح نحو سافرت إلى المدينة بعد مكة وقد لا يقصد وان صح لكون المقام لا يقتضيه لصرف القرينة عنه فهو اتخذوا المحاريب بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام فالمراد بعد وقوع ما أضيف إليه فانظر إلى ما يليق بكل مقام، ولا تلتفت إلى خرافات الأوهام وقيل: معناه إنّ الضمير إما أن يرجع إلى موسى عليه الصلاة والسلام وحينئذ يقدر مضاف أو إلى مضيّ موسى عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحو! الكلام والها مفعول اتخذ المحذوف لقيام القرينة إذ لا يذم على مجردة وقوله بإشراككم تفسير للظلم إذ قد يراد به الشرك والعفو المحو وأصل معناه اندراس آثار الديار بالبلى. قوله: (لكي تشركوا الخ) عدل من قول الزمخشري إرادة أن تشكروا لأنه مبنيّ على الاعتزال وجواز تخلف إرادة الله إذ الشكر لم يقع منهم فإن وقع التفسير بنحوه من أهل السنة فالمراد بالإرادة مطلق الطلب ولا نزاع في أنّ الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع. قوله: (يعني التوراة الجامع الخ) إذا كان الكتاب والفرقان واحداً وهو التوراة فالعطف لأن تغاير الصفات كتغاير الذات يصح فيه العطف كما مر في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
وإن فسر بما يغايره كالمعجزات فهو ظاهر وان فسر بالنصر الفارق بين المتقابلين وهو هنا بانفراق البحر فلا كلام أيضاً. قوله: (باتخاذكم العجل الخ) فإن قلت اتخذ مما أبدل فيه الهمزة تاء كما في ائتمن وهي لغة رديئة كما سيأتي، قلت قال ابن النحاس: إن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء لأنّ فيه لغة يقال: وخذ بالواو فجاء على هذه اللغة، وقال الفارسيّ رحمه الله: إنّ التاء الأولى أصلية لأن العرب قالوا اتخذ بكسر الخاء بمعنى أخذ قال تعالى: {لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}
اسورة الكهف، الآية: 77] وتخذ يتعدى لواحد وقد يتعدى الاثنين. قوله: (فاعزموا على التوية الرجوع الخ) توية بني إسرائيل إما أن تكون الرجوع والقتل مغاير لها فالعطف بالفاء ظاهر واما أن تكون الرجوع والقتل متمم لها وحينئذ لا إشكال أيضا إلا أنه قيل: إنه مجاز لإطلاق التوبة على جزئها، كما أنها في الأوّل مجاز وإما أن تكون جعلت لهم عين القتل فيؤوّل تويوا ئاعزموا ليصح التفريع ومنهم من جعله تفسيراً، وهو قد يعطف بالفاء. قوله: (بريئاً من التفاوت) يشير إلى أنّ الباركأ أخص من الخالق كما في هو الله الخالق البارى المصوّر وفي الكشاف البارى هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [سورة الملك، الآية: 13 ومتميزا بعضه من بعض بالإشكال المختلفة والصور المتباينة فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الإشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة في أمثال العرب أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط إلله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة، وقال الطيبي: معنى التفاوت عدم التناسب فكان بعضه يفوت بعضاً ولا يلائمه ومعنى التمييز التفريق فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة كقوله: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} [سورة طه، الآية: 50] انتهى. فالتمييز بين الأعضاء بعضها من بعض فمن قال إنّ قوله