بالمعنى الثاني، وأمر الناس بالبر ليس موبخا عليه في نفسه بل لمقارنته بالنسيان المذكور والبر الخير الواسع ومنه البرّ ضد البحر وتناوله كل خير بمعنى إطلاقه عليه لا إرادته منه، وقوله كالمنسيات إشارة إلى أن تنسون استعارة تبعية مبنية على تشبيه تركهم أنفسهم عن الخير بالنسيان في الغفلة والإهمال لأنّ نسيان الرجل نفسه محال، وبررت بالفتح بمعنى أتيت بخير وبالكسر ضد العقوق. قوله: (تبكيت الخ) يعني ليس الحال ههنا أيضاً للتقييد بل للتبكيت وزيادة التقبيح. قوله: (قبح صنيعكم فيصدّكم الخ) يعني أن مفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم واليه أشار بقوله أفلا عقل لكم واستدل بهذه الآية على القبح العقلي ورذ بأنه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة

الكتاب فهو دليل على خلافه وفرق بين التوجيه الأول والثاني بحسب المعنى بأن في الأوّل نفي إدراك قبيح الصنيع وفي الثاني نفي إدراك أنه لا ينبغي فعل القبيح مع نفي قوّة هذا الإدراك وقوله والعقل في الأصل الحبس من شد العقال كما أشار إليه القائل:

قد عقلنا والعقل أيّ وثاق وصبرنا والصبر مرّ المذاق

قوله: (والآية ناعية الخ) أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ونعى عليه شهواته شهره

بها قال الأزهريّ: فلان ينعي نفسه بالفواحش إذا شهرها بتعاطيها ونعى فلان على فلان أمرا إذا أظهره ونفسه مرفوع تأكيد للضمير المستتر وسوء صنيعه مفعول ناعية وخبث معطوف عليه، وأنّ فعله فعل الجاهل بناء على تقدير مفعول يعقلون وما بعده على تنزيله منزلة اللازم وفي الصحاج شديد الشكيمة أبيّ النفس لا ينقاد وأصلها الحديدة في فم الفرس، وقوله لتقوم أي لتقوم نفسه بها فيقيم غيره، وقوله لا منع الفاسق عن الوعظ هذا مما تقرّر في الفروع لأن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر، وأمّا آية: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فمخصوصة بسبب النزول وهو أن المسلمين قالوا لو علما أحبّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله ذلك، وفيه نظر لأنّ التأويل الجاري في هذه الاية يجري فيها لأنه ليس النهي عن القول بل عن عدم الفعل المقارن له فتأمّل. قوله: (متصل بما قبله الخ (يشير إلى أنّ الخطاب لبني إسرائيل أيضا لا لجميع المسلمين كما قيل: لتفكيك النظم وقوله: والمعنى استعينوا الخ فمعنى الصبر الانتظار أو الصوم لأنه صبر عن المفطرات والاستعانة به لما فيه من كسر الشهوة والتصفية، وأمّا

الاستعانة بالصلاة فلما فيي مما يقرّب إلى الله قربا يقتضي الفوز بما يطلب، والأطيبيق الأكل والجماع، وحتى تجابوا متعلق باستعينوا وقوله من الطهارة الخ إشارة إلى ما قال الراغب رحمه الله تعالى من أنّ الصلاة جامعة للعبادات كلها وزائدة عليها لأنها ببذل المال في الساتر ونحوه كالزكاة وللزوم مكان كالاعتكاف وبالتوجه للكعبة كالحج ولذكر الله ورسوله كالشهادتين ولمدافعة الشيطان كالجهاد وللإمساك عن الأطيبين كالصوم وتزيد بالخشوع ووجوب القراءة وغيره وجوّز في الصبر أن يراد به الصبر على الصلاة وسيأتي في كلام المصنف إشارة إليه. قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام الخ (أخرجه أحمد وأبو داود وحزبه بحاء مهملة وزاي معجمة وباء موحدة بمعنى أهمه ونزل به وضبطه الطيبيّ وغيره حزنه كضربه بالنون من الحزن بمعنى أحزنه أي حصل له حزناً، وفي الدرّ المصون قيل الفتحة معذية للفعل نحو شترت عينه وشترها الله وهذا على قول من يرى أن الحركة تعدي الفعل، وقوله فزع إلى الصلاة أي قام لها ملتجئاً إليها قال المبرّد في الكامل الفزع في كلام العرب على وجهين أحدهما الزعر والآخر الاستنجاد والاستصراخ وهو المراد هنا ويكون فزع بمعنى أغاث. قوله: (وإنها أي الاستعانة الخ الما ذكر الصبر والصلاة كان المتبادر أن يقال: إنهما فجعل الضمير إمّا للصلاة أو الاستعانة فإن فسر الصبر بالصبر على الصلاة فرجوع لضمير إلى الصلاة أشبه لأنه مذكورة لفظا وأقرب والمقصود نفسها وإلا فالى الاستعانة ليكون أشمل وما يقال: من أنّ الاستعانة في نفسها ليست بكبيرة لا طائل تحته فان الاستعانة بالصلاة أخص من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015