قوله: (بأنّ الواجب أن يكونوا الخ) هو جواب سؤال سيأتي بسطه تقديره كيف جعلوا أوّل من كفر وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب، وكذا ما فائدة التقييد بالآوّلية والكفر منهيّ عنه بكل حال فأجاب بأنه تعريض كنائيّ عبارة عن أنّ الواجب أن يكونوا أوّل من آمن به وأنه بيان لزيادة قبحه وشناعته وتسببه الكفر من بعدهم من أولادهم فنهوا عن أن يستسنوا سنة سيئة فإن قلت: كيف يجب أن يكونوا أوّل من آمن به وقد
سبقهم جمع من أهل مكة بين ظهرانيهم حتى قيل: إنه من تكليف ما لا يطاق قلت الأوّلية أمّا بالنسبة لقوم مخصوصين أو مطلقة، وعلى الأوّل لا إشكال فيه لأنّ المعنى أوّل من اليهود أو من غير أهل الكتاب أو من قومكم لأنكم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم أو أوّل من آمن بما معه من التوراة أو مثل أوّل المؤمنين السابقين أو أنه مشاكلة لقولهم إنا نكون أوّل من يتبعه والمراد آمنوا به هان كان عامّا فهو بمعنى السبق وعدم التخلف كما في قوله تعالى: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سو) ة الزخرف، الآية: 81] أي فأنا أسبق غيري فهو عبارة عن المبادرة والسبق. قوله:) ولأنهم كانوا أهل النظر الخ) عطف على لذلك وهو علة لوجوب الإيمان به والعلم بشأنه لما في كتبهم والاستفتاح طلب الفتح والنصرة عليهم وكانوا يقولون للمشركين سيظهر نبيّ نعته كذا وكذا نقاتلكم معه ونقتلكم {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [سورة البقرة، الآية: 89] والمبشرين بكسر الشين وفتحها، فإن قلت هذا الكلام يقتضي رجوع الضمير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: فيما سيأتي فإنّ من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدّقه يقتضي رجوعه إلى القرآن والظاهر ما في الكشاف ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به وكانوا يعدون اتباعه أوّل الناس كلهم فلما بعث كان أمرهم على العكس. قلت العلم بشأن الرسول ومعجزاته المؤذي إلى الإيمان به يقتضي الإيمان بالقرآن لأنه أعظم معجزاته فهذا بيان لحاصل المعنى وفيه إشارة إلى أنّ الإيمان بما أنزل لا يكون بدون الإيمان بما أنزل عليه ولا صعوبة فيه كما توهم مع أنّ عود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح فيكون في أوّل كلامه إشارة إلى وجه وفي آخره إلى آخر لأنه قيل: إنّ الضمير للقرآن وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم لثبوت ذكره بذكر الإنزال وهو قول أبي العالية، وقيل: لما معكم وهو التوراة فإنّ فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وعليه الزجاج. قوله: (وأوّل كافر به وقع خبرا عن ضمير الجمع الخ) إنما أوّله لأنّ أفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة تجب المطابقة بين تلك النكرة وما جرى عليه أفعل التفضيل تقول هو أفضل رجل وهما أفضل اجلين وهم أفضل رجال لأنه والموصوف واحد بالعدد لأنّ المعنى على تفضيل ذلك الواحد إن فضلوا واحداً واحدا وتفضيل ذينك الفردين إن كان التفضيل على اثنين اثنين وحاصل المعنى في زيد أفضل رجل زيد رجل أفضل من كل واحد واحد من الرجال، وتحقيقه أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى المفضل عليه فإن أريد التفضيل باعتبار الذوات لم يكن بد من أن يكون المضاف إليه متعدد معنى ظاهر الدخول في المفضل عليه كما تقول: زيد أفضل القوم ولو قلت: أفضل قوم لم يستقم إذ لم يعلم دخوله فيه فلهذا وجب أن يكون معرفة، وان أريد التفضيل باعتبار العدد المطابق له أضيف إلى النكرة المقصودة بالعددان واحداً فواح! ، وعلى هذا لو أضيف إلى مجرّد العدد لم يعلم الجنس ولم تمكن الإضحافة إليهما
معاً ولو أضيف إلى المعرفة لالتبس بالمعنى الأوّل فأضيف إلى النكرة الدالة على العدد وكان فيه توفير لحق الجنسية لدلالتها عليهما إلا أنّ أحدهما مقصود أصلاً والآخر تبعا وكذا الحكم في أيّ استفهاما وشرطا في الإضحافة إلى معرفة أو نكرة فافهمه فإنه مما اشتبه على كثير فلا بدّ من التأويل أمّا في الأوّل أو في الثاني بأن يقدر موصوف مفرد لفظاً مجموع معنى كفريق أو يؤوّل الأوّل بلا يكن كل واحد منكم بتعميم النفي كما يؤوّل في الإثبات نحو كساني حلة وقيل: لاً نهم لاتفاقهم على الكفر عدوا كشخص واحد أو أن الأصل لا يكن واحد منكم أوّل كافر وقدم تأويل الثاني على الأوّل لأنّ في تأويل الأوّل ارتكاب التأويل قبل الحاجة إليه ولأنه ظاهر في نفي العموم والمقصود عموم النفي فيحتاج إلى تأويل آخر كما قال الشارح المحقق إنه لتعميم النفي وادخال كل بعد اعتبار النفي يعني أصله