فالفصل عن السابق ليس لأنه تأكيد بل لتباين الغرضين من الجملتين وهو من جهات الفصل ثم بين التغاير بينهما بأنهم ذكر إهباطهم أوّلاً للتعادي وعدم الخلود فالأمر فيه تكوينيّ، وثانيا ليهتدي من يهتدي ويضل من يضل فالأمر فيه تكليفيّ إذ لم يكن لهم تكليف قبله بغير المنع من الشجرة، وعبر في الأوّل بدلّ لأنه منطوقه فالتعادي والابتلاء من قوله بعضكم الخ وعدم الخلود من قوله إلى حين، وفي الثاني بأشعر لأنه من فحوى الكلام إذ لم يصرح فيه بتكليف وإنما أخذ من تعقيبه بالفاء واهتدى الهدى إما على الحذف والإيصال أي إلى الهدى أو على تضمينه فعل الهدى أو سلك الهدى ونحوه. قوله: (والتنبيه على أن مخافة الإهباط الخ) الأمر إن هما ما ذكر مع الأوّل من التعادي وزوال الخلود وما ذكر مع الثاني من التكليف معنى فكان ينبغي أن لا يخالفا لخوف الإهباط لأحد هذين الأمرين فكيف بجميعهما فلو لم يعد الأمر لعطف فإما يأتينكم على الأوّل فيكون المعاقب به هو الإهباط المترتب عليه جميع هذه الأمور والحازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة الضابط لأموره المستوثق فيها، وقوله ولكنه نسي الخ اقتباس لبيان عذره بأنه نسي ما أمر به ولو لم ينسه لخاف من الطرد المترتب عليه ما ذكر وقوله وان كلى واحد توضيح لما مر وبيان له في نفسه. قوله: (وقيل الأول من الجنة الخ) وهو ضعيف لأنه يأباه قوله في الأوّل: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} [سورة البقرة، الآية: 36] الخ ولأنّ الظاهر اتحاد مرجع الضمائر ثمّ وما قاله الإمام من أنه لما من إلله عليهما بالقبول ربما توهم الإعادة إلى الجنة فبين أنه أمر محتوم وقضاء مبرم فهو حسن ولا ذكر
للسماء هنا وأما ما قيل: إن التوبة إنما صدرت وهو في الأرض فلا خفاء في ضعف ترتبها على الهبوط إلى السما الدنيا بالفاء فقيل: إنه ليس بذاك إذ لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام تاب بعد الهبوط بل الظاهر من قوله فتلقى حيث عطف بالفاء الدالة على عدم تراخيه عنه أنه عليه الصلاة والسلام تاب قبل الهبوط لأنه تدريجي، فلو تأخرت عنه التوبة لتأخر عن الأمر المذكور زمانا، وجميعاً حال من فاعل اهبطوا أي مجتمعين سواء كان في زمان واحد أم لا وهذا هو الفرق بين جاؤوا جميعاً وجاؤوا معا فإن الثاني يقتضي اتحاد الزمان بخلاف الأوّل وقد وهم في هذا بعضهم نعم قد يفهم من سياق الكلام في بعض المقامات ولذا قال المصنف رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} في سورة الحجر أنه أكد بكل للإحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة فلا يقال: إنه مناف لكلامه فتأمل. وقيل: إنه تأكيد لمصدر محذوف أي هبوطا جميعا وإنما أتى بالضمير المنفصل في قوله أنتم أجمعون لأنه لا يصح تكيد الضمير المتصل بألفاظ التأكيد قبل تأكيده بالمنفصلى وهو وان اختص بالنفس والعين وجوباً فإنه يحسن في غيره بالقياس عليه فلا يقال إنه اشتبه عليه التأكيد بأجمعين بالتأكيد بالنفس وقوله كما ترى كناية عن ظهور ضعفه بحيث يغني إدراكه عن بيانه. قوله: (الشرط الثاني الخ) الشرط الثاني هو من الشرطية ومنهم من أعربها موصولة والفاء تدخل في حيزها لتضمنها معنى الشرط وجعله مع جوابه جواب الأوّل ومنهم من قدر جواب الأوّل محذوفا ومهم من قال الجواب لهما والأصح ما ذكره المصنف رحمه الله وإذا زيدت ما التأكيدية على أن الشرطية كد الفعل بعدها بنون التأكيد لأنّ التأكيد أوّلأ وطأ لذكره ثانيا ولذا قال المصنف رحمه الله ولذلك الخ. مع أن الشرطية لا يؤكد فيها في الأكثر وإنما يكثر في الطلب والقسم ثم إنه هل هو على سبيل الوجوب حتى إنه لا يخالف إلا في ضرورة أو شذوذ كقوله:
أما ترى رأسي حاكى لونه
أو هو الحسن الشائع قولان للنحاة اختار المصنف رحمه الله الثاني لأنّ الأصل عدمه فإذا
رجع إليه لا ينبغي أن يقال إنه ضرورة. قوله: (وإنما جيء بحرف الشك الخ الما كان الظاهر إذا قال الزمخشريّ: أنه للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل دمانزال الكتب وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال يعني أنه لو لم يكن طريق العقل
كافياً لكان إتيان الكتاب والرسول واجبا فلم يكن يصح الإتيان بكلمة الشك فلما