والمحسِّناتُ البديعية كثيرة لا تنحصر عدًّا وابتكارًا، ويكفي المبتدئَ أن يعرف مشهورَها من القسمين: اللفظي والمعنوي. أما المعنوي فمنه التجريد، وهو أن يُنتزع من أمرٍ ذي صفةٍ أمرٌ آخر مثلُه في تلك الصفة انتزاعًا وهميًّا حتى تصير الذاتُ الواحدةُ ذاتين مبالغة لكمال الوصف في تلك الذات، كقولهم: "لي منك صديق حميم" و"لئن سألت فلانًا لتسألن به بحرًا". ومن هذا مخاطبةُ المرء نفسَه، وذلك كثيرٌ في الشعر كقول النابغة:
دَعَاكَ الهَوَى وَاسْتَجْهَلَتْكَ المَنَازِلُ ... وَكَيْفَ تَصَابِي المَرْءِ وَالشَّيْبُ شَامِلُ (?)
ومنه طالعُ قصيدة البردة البصيرية "أمن تذكر جيران" البيت (?).
ومنه المبالغةُ المقبولة، وهي ادعاءُ بلوغِ وصفٍ في شدته أو ضعفه مبلغًا يبعد أو يستحيل وقوعُه. وأصدقُها ما قُرن بلفظ التقريب، نحو {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور: 35]، ودونه ما عُلِّق على ما لَا يقع، كقول المتنبي:
عَقَدَتْ سَنَابِكُهَا عَلَيْهَا عِثْيَرًا ... لَوْ تَبْتَغِي عَنَقًا عَلَيْهِ أَمْكَنَا (?)