والسحر، فكيف يترك من هذه حاله معارضته، وهو قادر عليها ومماثلته وهو واصل إليها (?)؟! هذا وهو ينادي عليهم بقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنس وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (?). مع ما فيه من سبهم وسب آبائهم، ووصفهم بالجهل والعجز، وإيعادهم بالعذاب والنكال وسوء المنقلب، ورميهم بالكذب والافتراء، وتقبيح الأفعال، وتهجين ما هم عليه من الأحكام الفاسدة، وإطالة القول في ذلك، وفي شرح أحوالهم واستقباح أعمالهم، وفيما أعد لهم من الهوان والنكال في الدنيا والمآل (?). أليس هذا وشبهه ممّا يحملهم على المعارضة لو كانوا قادرين عليها (?)؟! ومما يجذبهم إلى المناظرة لو وجدوا سبيلا إليها (?)؟.
وحالهم في الجدال معلومة، وأمورهم في تفاخرهم وطلبهم الترفّع مفهومة، وقد كانوا يجعلون أموالهم دون أعراضهم، ويهون عليهم كل مستصعب في بلوغ أغراضهم، فإذا هجاهم شاعر جدّوا في معارضته وإجابته، واستعانوا على ذلك بمن يحسنه ويظهر عليه في مقاولته ومحاورته (?)، فلا ريب إذا في أنهم راموا ذلك فما أطاقوه، وحاولوه فما استطاعوه، وأنّهم رأوا نظما عجيبا خارجا عن أساليب كلامهم، ورصفا بديعا مباينا لقوانين بلاغتهم ونظامهم، فأيقنوا بالقصور عن معارضته، واستشعروا
العجز عن مقابلته.
وهذا هو الوجه في إعجاز القرآن، كما قال بعضهم: القرآن لا يدركه عقل ولا يقصر عنه فهم.