المشاعر وقيام نزعات وميول خاصة عند من يقررها، وإنما أساسها دائماً اليقين الذي يطمئن إليه الباحث في بحثه ويقتنع به كل من يدلي إليه بهذا البحث.

وإذا كان الأمر كذلك فليتفضل علينا الأستاذ ويقل لنا:

مَن مِن ملوك المسلمين وحكامهم هو الذي أمر بوأد الشعر الوثني

واليهودي والنصراني ومحوِه؟

مَن مِن أعوان هؤلاء الحكام الذىِ تولى ذلك؟

وكيف كانت طريقة المحو؟

وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟

وهل لم تجد لها في البلاد الأخرى ملجأ إليه؟

وهنا نستلفت حضرته إلى أن الشعر كان يتناقل بالرواية وتعيه صدور

الحفاظ، وأن هؤلاء الحفاظ كانوا على ما وصل إليه علمنا في أكثرية ممن

يعرفون القراءة والكتابة، وأنه إذا كان لحاكم أيًّا كان أن يمحو ما حوته بطون

الكتب فكيف السبيل له أن يذهب بما وعته صدور الحفاظ من أهل هاته الملل

وأن يعقل ألسنتهم عن أن ينقلوا إلى أهل ملتهم من بنيهم ومُعاشريهم

ومخالطيهم وأصدقائهم والى غيرهم ممن لهم ضِلع معهم من صداقة أو صلة

علمية؛ وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم بأنه لم يتسرب إلينا من شعر هاته الملل

شيء أصلاً؟

وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم في راحة من الضمير أن ما نُسب إلى شعراء

هاته الملل من الشعر المشتمل على مبادئ دياناتهم واعتقاداتهم ليس هو من

شعرهم وأنه ملفق كله ولا يشتمل أي مأثور من أقوالهم؟

وإذا تجوزنا وقلنا باحتمال الشك فيما نقل إلينا من الأشعار المنسوبة إلى

هؤلاء القوم، فهل لا يحسن بالأستاذ أن يبين لنا مميزات الشعر الجاهلي

والأموي والعباسي بحيث يمكن التفريق بين كل منهم في كل فن من فنون

الشعر؟

وهل له أن يبين لنا أن هاته الفروق هي من الأصول الثابتة لم يخرج عليها

أحد من أهل تلك العصور؟

وهل لم يكن بينهم - على ما نعهده في رجال الأدب من معاصرينا من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015