ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند ليلى شمائله فهو من احسن القول في الغزل، وذلك ان هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن اعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم ايسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة. فهو ايسر ما يتعلق به الوامق وأدنى فوائد العاشق. وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة " (?) . وما أظن أن القارئ الحديث لو طلب إليه أن يختار من محاسن الغزل، يختار هذين البيتين، إلا أن قدامة يرى أن الشعر قد أدى معنى " غاية المحبة " وهذا يكفي، ثم لا يسال الشاعر بعد ذلك، لا عن صدق التجربة، ولا عن قوة الانفعال، ولا عن النقل التصويري؟ لا يسأل عن شيء من ذلك: " إذ كان الشعر إنما هو قول فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لاضعاف ما في هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه وإنما اعتقدوه فقط لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر " (?) وليس الأمر هنا تفاوتاً بين حال من يعبر عن وجد، وحال من يبقى الوجد كامناً في نفسه لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير عن حالة واحدة من الوجد، وهذا ما ينفر قدامة من الوقوف عنده. الست تراه يجمع في نطاق واحد بين قول الشاعر المتقدم وبين قول أبي الصخر الهذلي:

أما والذي أبكى واضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر

طور بواسطة نورين ميديا © 2015