فإن غرابته أو طرافته لا تميزه بشيء في ميزان النقد. وقد امتلأت الدنيا بالغريب الطريف البارد في آن معاً " مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها " (?) . ومن حق قدامة علينا أن نقدر له هذا الموقف من تداول المعاني، ولكننا نخشى أن يكون قد فاته التنبيه إلى ما في التكرار من أثر في النفس عكسي، مثلما فاته ان الطرافة والغرابة تعبير عن تأثر القارئ، فقول القارئ إن هذا المعنى طريف يمثل هزة خاصة وجدها في نفسه نحو الجدة النسبية، وهذا شيء طبيعي يكسب المعنى صفة جمالية، إذ ليست كل صفة في المعنى يجب أن تكون قائمة فيه. فأنت ترى أن قدامة لا يعبر الحالة النفسية أدنى اهتمام، فالتكرار الذي يبلغ حد الابتذال لا يقلل من جودة التشبيه ما دام جيداً في ذاته، والطرافة لا تزيد شيئاً إلى المعنى لأنها ليست من خصائصه. وإذا تقدمنا خطوة اخرى لمحنا ان قدامة الذي لا يعرف التأثر الانفعالي في حكمه قد خرج على خطته فاتهم المحدثين بسبقهم إلى إشعار باردة، وهذا يومئ إلى ذوق متمكن في القديم، أو إن شئت الدقة فقل إن قدامة كان ضيق النفس بكل ما خرج على أصول الكلاسيكية اليونانية والعربية في آن معاً.

لم تحفظ قدامة في حال النسيب وما أشبهه؟

ولهذا لا يستطيع في بروده المنطقي واقتصاده الذهني ان ينقل إلينا تأثره بموضوع قائم على الانفعال القوي مثل النسيب، (أو الرثاء الوجداني) فأما إذا كان الحديث في المدح والهجاء فذلك أمر سهل ميسور، لان المقاييس تستطيع أن تتسع هنالك لما تتسع له في أمر النسيب، استمع إلى لون من تذوقه لشعر غزلي:

" وأما قول الشاعر:

يود بان يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله

طور بواسطة نورين ميديا © 2015