وتلك صورة كاملة للظليم أو ذكر النعام فهو صغير الرأس متقارب العرقوبين ليس لأذنيه حجم، وهو ليس ظليما صغيرا فقد أدرك، وهو هناك يرعى فى السّىّ بعض أشجار البادية. وماذا بقى من هيئة الظليم؟ إنه لم يبق شئ إلا سرعته وحركته الدائبة، وهو يصورهما تصويرا دقيقا فى قوله «جؤجؤه هواء» فصدره فارغ كأنما لا قلب أو لا عقل له، فهو يعتسف الصحراء اعتساف مجنون يسرع فى العدو هربا من كل شبح، فلا يكاد يقف. ولما تمت له هذه الصورة بتفاصيلها الدقيقة الجسمية والنفسية انتقل يصور ناقته فى سرعتها بحمار وحش يسوق أتنه سوقا عنيفا ليرد بها ماء، وهو لا يغفل عنها، وهى خاضعة لمشيئته، يدعوها فى كل فجر فتجيب، وصوّر هذا الدعاء تصويرا بديعا، فقال:

كأنّ سحيله فى كلّ فجر … على أحساء يمئود دعاء (?)

فهو ينادى أتنه كل صباح كى يرد بها الحياض والمناهل، وهى تلبيه. وكأنه يرسم بذلك صورة عشيرة تتبع شيخها حين يدعوها. واقرأ له هذه القطعة الطويلة فى وصف النبات والمطر والفرس والصيد فستلقاك خصائصه فى التصوير مجتمعة:

وغيث من الوسمىّ حوّ تلاعه … أجابت روابيه النّجاء هواطله (?)

هبطت بممسود النواشر سابح … ممرّ أسيل الخدّ نهد مرا كله (?)

تميم فلوناه فأكمل صنعه … فتمّ وعزّته يداه وكاهله (?)

أمين شظاه لم يخرّق صفاقه … بمنقبة ولم تقطّع أباجله (?)

إذا ما غدونا نبتغى الصيد مرّة … متى نره فإننا لا نخاتله (?)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015