عقد انقطع سلكه. وبهاتين الصورتين البديعتين صور زهير الدموع، وهى ليست دموع حب، وإنما كل ما فى الأمر أنه شاعر يعرف كيف يصور دموع الحب.
وبهذا القياس نفسه تصويره لأسماء فى قوله:
قامت تراءى بذى ضال لتحزننى … ولا محالة أن يشتاق من عشقا (?)
بجيد مغزلة أدماء خاذلة … من الظباء تراعى شادنا خرقا (?)
كأن ريقتها بعد الكرمى اغتبقت … من طيّب الرّاح لما يعد أن عتقا (?)
شجّ السّقاة على ناجودها شبما … من ماء لينة لا طرقا ولا رنقا (?)
فهو يصور جيدها بجيد ظبية بيضاء، امتلأ قلبها بحب ابنها، فهى عاكفة عليه، كما يصور ريقها بخمر معتقة مزجت بالماء لشدتها وحدتها. وهما صورتان أريدتا لأنفسهما، أو بعبارة أخرى رسمهما زهير ليدل سامعيه على قدرته فى التصوير، أما بعد ذلك فلا عاطفة ولا حبّ حقيقىّ، ولذلك يكرر دائما أن قلبه صحا عن حبه، وأنه راجع نفسه فكفت عن الهوى وما يتبع الهوى، على شاكلة قوله:
لقد طالبتها ولكل شئ … وإن طالت لجاجته انتهاء
فهو ليس من العشاق ولا ممن يشغلون أنفسهم بالغزل وبيان لوعة الحب، وإنما هو يتحدث فى ذلك مترسما سننا موضوعة كى يظهر قدرته على التصوير الفنى.
ولعله من أجل ذلك ملأ مقدماته الغزلية بوصف الظعن، وكأنه يريد بها أن يتلافى ما يفوته من وصف الحب والصبابة على نحو ما رأينا عند امرئ القيس، وفى الوقت نفسه يريد أن يدل على براعته فى الوصف الدقيق، فهو يستقصى ويدقق، إذ ما يزال يتبع صاحبته وصواحبها وهن راحلات فى نجد مع عشيرتهن من واد إلى