عجيبة، مما أتاح بحق لبغداد أن تعظم منزلتها العلمية وأن يحج إليها العلماء وخاصة فى أوائل هذا العصر، يريدون أن يتزودوا منها زادا علميا رفيعا.
رأينا فى كتاب العصر العباسى الثانى كيف ازدهرت الترجمة خاصة عن اليونانية، وكيف تحوّل المترجمون من الترجمة الحرفية إلى ترجمة المعنى الكلى للفقر ترجمة أكثر دقة، وكادوا لا يتركون كتابا يونانيا مهما فى أصله اليونانى أو فى ترجمته السريانية إلا نقلوه إلى العربية، وكانت الدولة حينئذ تغدق على المترجمين إغداقا واسعا، ومن يرجع إلى كتاب الفهرست لابن النديم أو أخبار الحكماء للقفطى أو طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة يبهره كثرة ما نقلوه من المأثورات الإغريقية فى الفلسفة والعلوم. ومنذ العصر العباسى الأول لا يكتفى النقلة بما يترجمون، بل يضيفون إليه، وكذلك يضيف إليه معهم من استوعبوا من الناطقين بالضاد علوم الأوائل إضافات لا تكاد تحصى فى كل فروع الفلسفة والعلم على هدى ما قرءوه وجرّبوه بأنفسهم ونفذوا إليه بفطنهم. وقد افتتح العصر العباسى الثانى بعالم رياضى عظيم هو الخوارزمى مؤسس علم الجبر وبفيلسوف عربى هو الكندى. ومضت الترجمة فى النشاط والازدهار، ومضت معها الحركة العلمية والفلسفية تؤتى ثمارها حتى ظهر الفارابى الفيلسوف الكبير الملقب بالمعلم الثانى.
وتبلغ الحركة الفلسفية والعلمية أوجها فى القرن الأول من هذا العصر قرن ابن سينا والبيرونى فى إيران وابن الهيثم فى العراق، وقد ظلت الترجمة حية ناشطة فيه، وانصبّ عمل المترجمين حينئذ على تصحيح بعض الترجمات القديمة ومن أهمهم يحيى (?) بن عدى النضرانى اليعقوبى المتوفى سنة 364 وهو من تكريت على نهر دحلة، تتلمذ على الفارابى ومتّى بن يونس، ويقول القفطى: «إليه انتهت رياسة أهل المنطق فى زمانه» ويذكر له كتبا عدة ترجمها لأرسططاليس وشراحه اليونانيين، ويقول أبو حيان التوحيدى «تخرج