بدائع الفوائد (صفحة 903)

لعمر سأله عن القبلة للصائم فقال: "أرأيت لو تمضمضت " الحديث فتحت هذا إلغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام وتحته تشيبه الشيء بنظيره وبإلحاقه به وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته وهو وضع الماء في الفم فكذلك الذي منع إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القبلة فتضمن الحديث قاعدين عظمتين كما ترى.

ومن ذلك قوله وقد سئل عن الحج عن الميت فقال للسائل: "أرأيت لو كان عليه دين أكنت قاضية قال: نعم قال: فدين الله أحق بالقضاء" فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى وأن دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء ففي هذا أن الحكم إذا ثبت في محل الأمر وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه ومقصود الشارع في ذلك التنبيه على المعاني والأوصاف المقتضية لشرع الحكم والعلل المؤثرة وإلا فما الفائدة في ذكر ذلك والحكم ثابت بمجرد قوله.

ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد في قصة وليدة زمعة بعبد ابن زمعة عملا بالفراش القائم وأمر سودة أن تحتجب منه عملا بالشبه المعارض له فرتب على الوصفين حكميهما وجعله أخا من وجه دون وجه وهذا من ألطف مسالك الفقه ولا يهتدي إليه ألا خواص أهل العلم والفهم عن الله تعالى ورسوله.

وتأمل قوله في التشهد وقد علمهم أن يقولوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ثم قال: " فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض" كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا عن طريق الأصوليين وتعسفها كذلك قوله تعالى وقد سئل عن زكاة الحمر فقال: لم ينزل علي إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} فسمى الآية جامعة أي عامة شاملة باعتبار اسم الشرط فدل على أن أدوات الشرط العموم وهذا في مخاطبته ومحاورته أكثر من أن يذكر وإنما يجهله من كلامه من لم يحط به علما.

وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاما أسود فأنكر ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ألك إبل؟ قال: نعم قال: فما لونها؟ قال: سود

طور بواسطة نورين ميديا © 2015