بدائع الفوائد (صفحة 902)

الفرق أجاب بأن هذا حمد الله والآخر لم يحمده فدل على أن تفريقه في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثرة فيها.

وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في الميتة "إنما حرم منها أكلها " كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل وهذا تحته قاعدتان عظيمتان:

إحداهما: بيان أن التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان غير مجمل وأنه غير مراد به من كل عين ما هي مهيأة له وفي ذلك الرد على من زعم أن ذلك يتضمن لمضمر عام وعلى من زعم أنه مجمل.

والثانية: قطع إلحاق استعمال الجلد بأكل اللحم وأنه لا يصح قياسه عليه فلو أن قائلا قال وإن دلت الآية على تحريم الأكل وحده فتحريم ملابسة الجلد قياسا عليه كان قياسه باطلا بالنص إذ لا يلزم من تحريم الملابسة الباطنية بالتعدي تحريم ملابسة الجلد ظاهرا بعد الدباغ ففي هذا الحديث بيان المراد من الآية وبيان فساد إلحاق الجلد باللحم.

وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم للنعمان بن بشير وقد خص ابنه بالنحل "أتحب أن يكونوا في البر سواء" كيف تجده متضمنا لبيان الوصف الداعي إلى شرع التسوية بين الأولاد وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض فكما أنك تحب أن يستووا في برك وأن لا ينفرد أحدهم ببرك وتحرمه من الآخر فكيف ينبغي أن تفرد أحدهما بالعطية وتحرمها الآخر وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كيف تجده متضمنا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون وهي أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي فعلل النبي صلى الله عليه وسلم عصمة دمه شهود بدرا دون الإسلام العام فدل على أن مقتضى قتله كان قد وجد وعارض سبب العصمة وهو الجس على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عارض هذا المقتضي مانع منع من تأثيره وهو شهوده بدرا وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس لأنه ليس ممن شهد بدرا وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرا ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015