بدائع الفوائد (صفحة 904)

قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فأنى له ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإن مثل هذا لا يوجب ريبة وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بنى آدم وهو الخلاق العليم فكما أن الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإن ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم.

فهذا من أصح المناظرات والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإن العلل والمعاني حق شرعا وقدرا.

فصل:

وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: {لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} فأجابهم المنافقون بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات:

أحدها: تكذيبهم.

والثاني الإخبار بأنهم مفسدون.

والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: {هُمُ الْمُفْسِدُونَ} .

والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015