الخلاف بيننا وبين منهج المخالفين في الإيمان بقضايا الغيب فلاسفة كانوا أو متكلمين قدامى أو معاصرين. وهذا يفسر لنا بالتالي سبب الحملة التي شنع بها المخالفون على منهج السلف واتهموهم خلالها برفض العقل وأحكامه.

إن قضية الإيمان بالغيب هي محك الخلاف بين المنهجين: منهج عرف أصحابه للعقل إمكاناته وطاقاته من جانب، وعرفوا أيضا مطلب الشرع والوحي من العقل والوظيفة التي ناطه بها من جانب آخر.

أما المنهج الثاني فأطلق أصحابه العنان لعقولهم, فلم يعترفوا بإمكاناته ولا طاقاته، بل قالوا: إن العقل قادر على أن يخضع كل شيء لسلطانه ما غاب عنه وما حضر، ما أدركته الحواس وما غاب عنها، حتى ما أخبرت به الأنبياء عن عالم الغيب وقضاياه يجب أن يخضع العلم به وبكيفيته لسلطان العقل.

ولا مانع عندهم أن يتخيل العقل, ويخلق لنفسه عالمه الغيبي الخاص به.

ولا مانع أيضا عندهم من رفض هذا العالم الغيبي وإنكاره. ولم يفرقوا في ذلك بين مطلب الشرع من العقل في عالم الشهادة, ومطلبه من العقل في عالم الغيب، والخلاف بين الموقفين يكمن في المنهج أولا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015