الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام الشرعية: مثل ما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وعلياً ومعاذا إلى اليمن، وابن

حزم إلى نجران، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب

الأموال ما يجب عليهم من الزكاة، فكان السامعين يقبلون ذلك بلا

تردد، فثبت أن خبرهم - وإن كانوا آحاداً - مقبول؛ إذ لو كان قول

الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما قبل السامعون لهم الأحكام التي جاءوا بها من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد التأكد والتثبت.

الدليل الرابع: قياس الرواية على الفتوى، بيان ذلك:

أن المفتي إذا أفتى شخصاً بحكم شرعي، فإنه يجب على المستفتي

أن يصدق ذلك المفتي ويعمل بفتواه، مع أن ذلك المفتي ربما يخبر عن

ظنه، فإذا كان الأمر كذلك في الفتوى فإنه إذا أخبر هذا المفتي بخبر

سمعه، فكذلك يجب قبول خبزه وتصديقه، ولا فرق بينهما،

والجامع: أن كلًّا منهما يجوز عليه الغلط، أي: يجوز الغلط على

المفتي كما يجوز على الراوي، بل الغلط على المفتي أقرب منه على

الراوي " لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم،

وعرف كيفية الاستدلال به، وذلك دقيق، أما الرواية فلا تحتاج إلا

إلى السماع، فثبت أنه إذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد، فمن

باب أوْلى أن تكون الرواية مقبولة.

ما اعترض به على هذا الدليل:

الاعتراض الأول: أن هذا الدليل مبني على القياس، والقياس لا

يفيد إلا الظن، والظن لا يثبت به أصل حجية خبر الواحد والعمل

طور بواسطة نورين ميديا © 2015