لما رأيتُ العيش عيش الجاهلِ ولمْ أرَ المغبون غير العاقلِ قدمت عيساً مِنْ خمور بابلِ فبتُّ مِنْ عقلي على مَراحلِ وقال البحتري هرب العقلاء من هموم العقل قولاً وهو:
أرى العقل بؤسي في المعيشةِ للفتى ... ولا عيش إلا ما حباكَ بهِ الجهلُ
ومن طريف معانيه قوله بعد هذا:
وقدْ متُّ أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت مَنْ ذاقه
كلام لا يصح معناه لأنه لا شهوة لمن مات وما رأينا من يخبر بمذاق الموت هل اشتهاه أو كرهه فليته أعتمد على قوله:
فالموتُ تعرف بالصفاتِ طباعه ... لمْ تلق خلقاً ذاق موتاً آيبا
وبالجملة فما أراد بالموت إلا تشبيه السكر به ومن يذوق السكر فهو يشتهيه وليس السكر موتاً بل غيبة تمييز وظل الغيبة هي المستلذة المطلوبة من الشراب ولولاها ما شرب لعلل توجب عنه الانقطاع ومنه الامتناع منها والدخول مما يروى بالمروءة والديانة وتنتهك حرمة الصيانة ومن ذلك الخمار الذي له من المضض ما هو لأعظم المرضى فلولا لذة السكر ما صبر على ذلك منه وفي ذلك أقول صيغة: